لِلحَدَثِ إذا كان في المركز عددٌ لا نهائيّ من الزّوايا الّتي يُنظَر إليه من المُحيط. وزوايا النَّظر المُتعدّدة تنتُج عنها رؤى بقَدرها، ولِذا فإنّ الزّاوية الّتي تنظر من خلالها إلى الحدث قد يراها غيرُك وقد لا يراها، وعليه فإنّها ليستْ وحيدة، ولا تنفردُ بالحقيقة، ولا هي الأهمّ، إنّها واحدٌ من متعدّد، تُؤخَذ على محمل الجدّ، ولكنّها ليست الفيصل في القضيّة.
الّذين يفهمونَ هذه الحقيقة هم أكثرُ النّاس قبولًا لآراء الآخرين والاتّساع بهم، وأكثر النّاس معرفةً يُدركون شسوع مصادر الحقيقة، فيهبهم هذا القَبول للرّأي الآخَر والاعتِراف به، ويهبهم التّواضع، وهذه السّمة الأخيرة تغمُر القلبَ بالطّمأنينة والرّضا، فإنَّ صاحِبَها إِذا سَمِعَ من غيره حِدّة أو استِعلاءً أو هجومًا تغافلَ عنه. ولا يكونُ التّغافُل إلاّ لمن أدركَ أمرين: ضيق العَطَن يَنتُجُ عن ضِيق العَقل؛ فيتسامح المُتغافلُ مع سِواه، ويتورّع عن الحُكم على النّاس. والأمر الثّاني: إنّ الخير في المُضيّ إلى الأمام، والسّكوتِ عن الرّدّ على الأنام، من أجل بلوغ غاية المَرام.
والتّغافُل المحمود هو الّذي لا يقفُ على الأخطاء الصّغيرة، ولا يُنبّش في النّوايا، ولا يتتبّع الهَنات، ولا يتصيّد الهَفَوات، بل يمدّ جِسْر ثِقة، وتحضرُ عنده كلمة (لعلّ) في كلّ حادث، (لعلّ لها عذرًا وأنتَ تلومُ). ولا يسأل سؤال الشّحيح، ولا ينظرُ نَظَر الصّحيح، ولا يلتفتُ إلى القبيح، كما قال الغزاليّ في شرح اسم الله الغفّار: «ولا ينفَكُّ مخلوقٌ عن كمالٍ ونَقصٍ، وعن قُبحٍ وحُسنٍ، فمن تغافَل عن المقابحِ وذكَرَ المحاسِنَ، فهو ذو نصيبٍ من هذا الوَصفِ».
والمُتغافلُ يصونُ لِسانَه عن السّوء: «وقُولوا للنّاسِ حُسنًا». ويتجاوز عمّن قال عن جهل: «وأعرِضْ عن الجاهلين». ويأخُذُ العفو: «إنّ الله يُحبّ الرّفق في الأمر كُلّه». وقيل: «تِسعةُ أعشارِ حُسنِ الخُلُقِ في التَّغافُلِ». وقال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ: «مَن شدَّد نَفَّر، ومَن تراخى تألَّف، والشَّرَفُ في التَّغافُلِ».
والتّغافُل لا يعني الضّعف، ولا أنْ يُهضَم حقُّ المرء، ولا أنْ يُجهلَ عليه، ولكنّه يعني التّسامح، والاحتِمال حتّى تصفو الأمور بين النّاس، وتبرد حارّة الحقد، وتنفثِئ فُقاعة الغضب، وتنطفِئ شُعلة الشّرّ؛ فإنّ مَنْ أعطَى من حَقّ نفسه لإصلاح ما بين النّاس أخذَ بحظٍّ وافر، وادّخر ما لا يضيعُ عند الله هباءً.
والتغافل يعني - فيما يعني - أنْ تتركَ الماضي وراءَك، وتغذّ السَّيْر إلى غَدِك، فإنّ الماضي الأليم لا يُعيده العقل ولا الذّكاء، ولا الحسرة ولا البُكاء، وإنّ نِسيانَه والتّغافل عن آثاره هو الّذي يُرمّم الجروح، ويدفع إلى النّهوض، ويُتمّمِ المسيرة. وروي عن أحمدَ بنِ حَنبَل أنّه قال: «العافيةُ عَشرةُ أجزاءٍ كُلُّها في التَّغافُلِ».
والتّغافلُ صفةُ زعيم القوم الّذي لا يحمل الحقد، والسّيّد الّذي لا يُكِنّ الضّغينة:
ليسَ الغبيُّ بسيّدٍ في قومِهِ
لكنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابِي