لقد ذكرنا بمقال سابق حول أهمية البحث العلمي في تحقيق وتنويع الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي وليس الاقتصاد المالي الورقي المضارب - الذي نشرته الراية مؤخرًا - وأكدنا على أنه لم يعُد نجاح الدول اقتصاديًا في عالم اليوم، يقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية (نفط وغاز ومعادن، ومواد خام، ومحاصيل زراعية)، أو منشآت صناعية وخدمية، بل أصبح يقاس قبل كل شيء، بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، والبحث العلمي إلى مشاريع، والكفاءات الشابة إلى ديناميكيات محركة للنمو الاقتصادي والإبداع والابتكار والتنويع والتنمية المُستدامة. ففي عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بصورة غير مسبوقة وبإيقاع سريع، وبالتالي لم تعُد الأكاديميات فضاءً لإنتاج الشهادات فحسب، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعة الثروة، ومختبرًا للأفكار والرؤى التي يمكن تحويلها إلى شركات ومنتجات وحلول تغير وجه الاقتصاد. في هذا السِّياق، تبدو دول الخليج العربية الست أمام فرصة سانحة لإعادة صياغة العلاقة بين جامعاتها المحلية ومؤسساتها الاقتصادية الوطنية. ومن محاسن الصدف «صديقي اللدود وعدوي الحميم» أبو راشد أمدَّ الله في عمره، بعد أن قرأ ذلك المقال المعنيّ، أرسل إلي (واتساب لي) - إذا جاز التعبير - بقصاصة ورقية اختصر فيها خلاصة تقرير مطول لشركة ماكنزي للاستشارات المالية والإدارية - ذات الصيت الدولي في الاستشارات - صدر في يوليو المنصرم. حيث إن مضمونه يتطابق مع ماذهبتُ إليه في المقال المعني ويسير في ذات الاتجاه معه، وينحو ذات الهدف، وخلاصته مفادها: أن 80% من زيادة الأصول للثروة في العالم عام 2025 جاءت نتيجة مكاسب ورقية نتجت من ارتفاع الأسهم والديون بمعدلات فوق معدلات التضخم، أي من ارتفاع قيمة الأصول القائمة فعليًا، وليس نتيجة الاستثمار الجديد المنتج في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو البنية التحتية. وهذا حقيقة ما يُعمق الفجوة القائمة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الإنتاجي الحقيقي. في ذات الوقت، يرفعُ احتمال حدوث تصحيحات مستقبلية على شكل انهيارات يدفع الناس ثمنها في مختلف القارات. وعليه، فالرهان الاقتصادي الخليجي يستوجب التوجه نحو البحث العلمي والاقتصاد الإنتاجي الحقيقي، بعيدًا عن المضاربات المالية في السوق الدولية خاصة الأمريكية منها.
خبير اقتصادي