بقلم/ سامر الهاشم- رئيس آبكو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:
نشأت في لبنان خلال فترة اعتاد فيها الناس وصف بيروت بأنها "باريس الشرق"، وأمضيت معظم سنوات عمري أشهد تأثير الحرب على أي مكان حيثما اندلعت. ويعدّ لبنان من الدول القليلة التي يؤكّد معظم أهلها عن قناعة تامة، أن الحياة كانت أفضل في الماضي - ليس قبل الأزمة الأخيرة، بل حتى قبل ولادتي. فلا تكتفي الحرب بتعطيل عجلة التنمية، بل تعيد توجيهها إلى الوراء، لجيل أو جيلين أحياناً، ونادراً ما يدفع الثمن من أشعلوا نيرانها. لذلك حين أقول إن السلام شرط التنمية، فأنا أتحدث عن بلدي. ومن امتهنوا الوساطة وأتقنوها يحتلون لديّ مكانة لا يكاد يضاهيها أحد ممن أتعامل معهم في هذه المنطقة.
توجد قائمة قصيرة من الأماكن التي يقبل المتحاربون الجلوس فيها تحت سقف واحد، والدوحة مدرجة على تلك القائمة، وكان لبنان من أوائل من طرق بابها، حيث حملت الطائرات أحزابنا المتناحرة إلى الدوحة عام 2008 بعدما فشلت كل المحاولات الأخرى لجمعها حول طاولة واحدة. وفي الدوحة جرت محادثات دارفور، وهناك تفاوض الأميركيون على خروجهم من أفغانستان، ومن هناك تم تنسيق عمليات الإجلاء من كابول، وعمليات تبادل السجناء مع إيران وفنزويلا، وإعادة أكثر من مئة طفل أوكراني فرّقتهم الحرب عن عائلاتهم، وإعلان المبادئ الذي جرى توقيعه العام الماضي بين كينشاسا وحركة 23 مارس. كل ذلك حصل في المدينة نفسها. وقد يغيب عن المراقبين الخارجيين أن كل ذلك لم يكن وليد الصدفة، حيث حسمت قطر منذ زمن بعيد هويتها، ويثمر ذلك القرار اليوم عن عوائد قد لا تدركها الشركات العالمية والعاملة في المنطقة بما يكفي.
الحياد القطري
تستطيع قطر فعل ذلك لسبب يتقدم على سواه: فهي تبقي على خطوط مفتوحة مع جميع الأطراف في نفس الوقت، ويصدّقها الآخرون حين تقول إنها لا تريد من النتيجة إلا الاتفاق بحد ذاته. حيث تستضيف قطر أكبر قاعدة أميركية في المنطقة وتتحدث مع طهران، ومع كيغالي وكينشاسا، ومع واشنطن وموسكو. وليست لها أية أطماع في أي من تلك النزاعات، ولا تسعى إلى تصدير شيء عبرها، ولهذه الأسباب تلقى الدعوات الصادرة من الدوحة قبولاً لدى أطراف كانت لترفضها ربما لو جاءت من أي جهة أخرى.
يسهل الاستخفاف بأهمية ذلك، لأن الحياد قد يبدو في ظاهره غياباً لأي استراتيجية. لكنه في الواقع يتطلب انضباطاً دائماً، وقد تمسّكت به قطر منذ 20 عاماً، وكثيراً ما تعرّض هذا التوجه لضغوط حقيقية، ومرّت عليه فترات كان التراجع فيها أسهل وأقل كلفة. ويعود الفضل في ذلك الثبات، إلى حد بعيد، إلى شخصين: إذ أبقى الأمير حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الدولة على هذا المسار حينما ازدادت تكلفة ذلك، وتولى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني قسطاً كبيراً من العمل بنفسه، داخل غرف التفاوض، وخلال فترات طويلة من الجمود. وتقتضي الوساطة على هذا المستوى ممن يقودون الدولة الإنفاق من رصيد مصداقيتهم الشخصية، وقد كان لقطر قادة لم يبخلوا أبداً بذلك الرصيد.
ففي نوفمبر من العام 2024، عدّلت قطر المادة السابعة من دستورها لتنص على الوساطة والحوار كغاية من غايات الدولة، وبات لديها اليوم وزير دولة تنحصر مهمته في ذلك العمل. وقد سبقت الممارسة الواقعية تعديل الدستور، وهذا دليل على أن ذلك يعد التزاماً مؤسسياً، وأنه باقٍ مهما تبدل الوزراء.
تعلّمت النرويج الدرس ذاته على مدار ثلاثين عاماً من عملها على صناعة السلام، من الشرق الأوسط وسريلانكا إلى كولومبيا، وكانت مبادئها بسيطة، تتمثل في التحدث إلى كل الأطراف حتى حين يبلغ الخلاف أشده، وفي النظر إلى المدى البعيد، أو كما اعتاد النرويجيون القول: لا تستهدف الربح السريع في عملية بناء السلام، ولا تحاول أبداً فرض تسوية. وحين أتأمل تاريخ الدوحة أرى ذلك الإرث ماثلاً فيه بحذافيره تقريباً، حيث واصلت قطر الحديث مع طالبان حين أحجم الآخرون، ولازمت الملف الأفغاني عقداً كاملاً، وملف غزة عبر انهيارٍ تلو آخر. وعملت مع مصر والولايات المتحدة دون الالتفاف عليهما، ولم تحاول قط إملاء البنود، بل اكتفت بإبقاء الباب مفتوحاً حتى اهتداء الأطراف بنفسها إلى البنود المتفق عليها.
العوائد الأوسع
يميل قطاع الأعمال إلى الاستهانة بما تولّده الوساطة للمنطقة. فكل نزاع تسهم الدوحة في احتوائه يخفض تكلفة المخاطر على منطقة الخليج العربي بأسرها، ويحمي ممرات الشحن التي تنقل غاز قطر وغاز الآخرين جميعاً، ويُبقي تكاليف التأمين منخفضة لكل من يعمل هنا، وذلك من أسباب قبول رؤوس الأموال طويلة الأجل بالاستقرار في المنطقة أصلاً. وفي خضم كل أزمة إقليمية في العقد الماضي، حافظت قطر على تدفق غازها ونمو اقتصادها، ولم يغب ذلك عن أعين الأسواق. إن وساطة قطر في حقيقتها أشبه بوثيقة تأمين على بيئة أعمالها هي أولاً، وعلى كل من تتصل أصوله باستقرار المنطقة تالياً.
تتجسّد تلك العوائد كذلك في مكاسب ملموسة، فعلى هامش منتدى الدوحة في ديسمبر الماضي، أطلقت قطر والاتحاد الأوروبي مفاوضات حول اتفاقية شراكة استراتيجية، وأورد البيان المشترك سجل الوساطة ضمن مبررات تلك الخطوة. وترسم اتفاقيات كهذه الشروط التي تعمل الشركات في ظلها لعقد كامل، وما كانت هذه الاتفاقية تحديداً لتوجد لولا سنوات أمضتها قطر في إثبات فائدتها لطرفي نزاعات لا علاقة لأوروبا بها.
معنى ذلك بالنسبة للشركات
تكمن القيمة في قطر في منظومة قامت على نيل ثقة أطراف لا يثق بعضها ببعض، وباتت تلك المنظومة اليوم تحدد من يُدعى إلى أي محادثة وبأي شروط. ولا يمكن قراءة شيء من ذلك في عناوين الأخبار أو أرقام الصفقات المعلنة. ومن خلال تجربتي أستطيع القول إن ذلك لا يتبدى إلا عن قرب، ولا يُفتح إلا أمام مؤسسات تتحلى بالصفات التي تبحث عنها قطر في الآخرين، وفي مقدمتها الثبات على النهج والتكتم على مدى بعيد.
يعد الوصول المتاح أصغر جزء مما تقدمه الدوحة. أما الجزء الأكبر فيتمثل في سمعة قوامها الوفاء بالعهد مع الجميع، ومكافأة القرب من تلك السمعة هي امتلاك مقعد على الطاولة حين تُصاغ البنود، لا أن تتقدم بطلب للانضمام بعدما تصبح أمراً واقعاً. لذا، فالسؤال بالنسبة إلى أي رئيس تنفيذي أو مستثمر ليس ما إذا كانت قطر فرصة، بقدر ما هو: هل أكسبك سلوكك أنت تلك الثقة التي أمضت قطر 20 عاماً في بنائها؟ وذلك يتطلب الحضور حتى في غياب طرح أي صفقة، وأن يكون موقفك في الدوحة هو نفسه موقفك في المنطقة وواشنطن، وأن تتحلى بالصبر الكافي الذي يضمن حضورك عند وضع البنود في صيغتها النهائية. فالسلام جعل الدوحة مفيدة، والفائدة العامة هي العملة الوحيدة التي تدوم هناك.
سامر الهاشم هو رئيس آبكو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويشرف على الاستراتيجية الإقليمية للشركة وتقديم خدماتها الاستشارية وأداء عملياتها، ويقود فرقاً متعددة التخصصات في أسواق مختلفة لمساعدة العملاء على التعامل مع أعقد البيئات وتحقيق نتائج ملموسة.