الصيام مدرسة التغيير للنفس، فطريق الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس لقوله - تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11)، فعلى المرء الذي يهدف إلى التغيير أن يبادر إلى تغيير نفسه في هذا الشهر المبارك فأبواب الجنة مشرّعة، وأبواب النار مغلقة، ولله في كل ليلة عتقاء من النار، لذلك على المرء أن يجتهد على أن يكون واحداً منهم.

رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية، يدخل على النفس الإحساس بالأمان والاطمئنان، لذلك يجب أن يعد المرء نفسه، ويأخذ أهبته، فيكون دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعـداد أبدًا، إن دعي أجـــاب، أو نودي لبّى، فما أحوجنا كافة إلى وقفة محاسبة، كل منا مع نفسه في هذه الأيام الفاضلة، نراجع أحوالنا، لا سيما من أسرف وفرط في حقوق الله في الأشهر التي سبقت هذا الشهر الكريم، ومن قصر في حق أحد من أهله أو معارفه، ومن زلت به القدم وفرّط في حقوق إخوانه.

ولعل في هذه الأيام الفاضلة ما يعين على تجاوز الأخطاء والعودة إلى الحق وعدم التمادي في الباطل، وأن يتساءل فيها كل منا مع نفسه: هل هو على الطريق الصحيح أم لا؟ وإن لم يكن على الطريق الصحيح، يجب أن يتساءل حتى متى يبقى ضالاًّ عن صراط الله المستقيم، والكل يعلم الطريق الصحيح، فالحق بيّن والباطل بيّن، وهل يستمر على الابتعاد عن الحق أم يقرر العودة إلى رحاب الله، وترك ما ألفته النفس من لهو وهوى؟ لا بد من إرادة قوية واستشعار لواجب التغيير، بخاصة إذا آمنَّا إيمانًا جازمًا أننا معرضون للخطر وسوء الخاتمة إن لم يتداركنا الله برحمته، فما أحوجنا إلى الصبر والمصابرة حتى نلقى الله وهو عنا راضٍ، ولأن رمضان تصفّد فيه مَرَدَة الشياطين. فلا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غير رمضان، وفي رمضان تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، وفي رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فما أعظمها من بشارة، لو تأملناها بوعي وإدراك لوجدنا أنفسنا مسارعين إلى الخيرات، متنافسين في القربات، هاجرين للموبقات، تاركين للشهوات.

إن الصيام يعطي كل فردٍ ثقة هائلة في نفسه أنه بعون الله تعالى قادر على ضبط النفس ففي رمضان تكون أعظم فرصة لإنهاء الخصام، وتكون أعظم فرصة مع هدوء النفس، لأنه يدخل عليها الإحساس بالأمان والاطمئنان فيحرص كثير من المسلمين القادرين على إخراج زكاة أموالهم على إخراجها في رمضان طمعاً في مضاعفة الأجر وبذل المال لكل محتاج.

ولأن شهر رمضان جعله الله، فرصة لكل عاصٍ أو متخاصم أن يبادر بالعفو والصفح فهو شهر التسامح والغفران والحب والرحمة، شهر يتسامح فيه كل مع الآخر، وهنا يأتي دور المصلحين الذين يدركون عظمة أجرهم لما رواه ابن ماجه أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على خير من الصلاة والصدقة والصلة والصيام»؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين” ، فشهر رمضان، جعله الله فرصة لكل عاصٍ أو متخاصم أن يبادر بالعفو والصفح فهو شهر التسامح والغفران والحب والرحمة، فالله تعالى أمرنا بالصيام ليس فقط للامتناع عن الأكل والشرب بل لغرس الفضائل وتعويد الناس عليها، فالمسلم في هذا الشهر يجب أن يتحلى بالأخلاق الكريمة.

جعلني الله وإياكم ووالدينا ممن فاز بالرضا والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران وكل رمضان وأنتم بخير.

mozalmalki@hotmail.com