حمام وسلام

يطير سرب الحمام كل صباح من بيت الجيران .. ليحلّق في رحلته اليومية في الفضاء .. ثم يعود من جديد إلى مقرّ إقامته فوق سطح الجيران .. منذ أن سكن الحمام في حيّنا والمناوشات لا تنقطع بين أصحاب البيت والجار الآخر .. ذلك الذي يقضي ليله ونهاره بالتدرّب على الرماية في الميدان المخصص لذلك .. ولم يعرف أحدٌ سبب ذلك الخلاف الكبير الذي جاوز الحي وجاوز المعارف والأقرباء .. حتى وصل إلى ما بعد الحي الثالث من حيّنا .. وكل ذلك بسبب ذلك الحمام الذي يحلّق كل صباح وهو ينشر رداء الأمن والسلام فوق الأسطح القريبة .. وحينما احتدم الصدام .. وزادت حدة الخلافات بين الجارين .. طارت الحمامات كعادتها كل يوم .. لكنها هذه المرة لم تستطع الابتعاد كثيراً عن الحي .. فقد بدأت أصوات طلقات البندقية والرصاص ترتفع في الآذان .. ولم ينتهِ النهار إلا وحمامات الجار تتساقط فوق البيوت والأرصفة المجاورة .. ملونة الشوارع بدمائها .. ناثرة ريشها المنقوش بالدماء في كل العيون .. وفوق كل الأفئدة ...

- - - - - - - -

أحزان البحر

منذ أن أصابه الداء القاتل .. منعه الطبيب المعالج من الخروج إلى البحر .. أو محاولة العمل في الصيد كما كان يفعل قبل المرض .. فهواء البحر ما عاد صالحاً له ولرئتيه المصابتين بالعِلّة .. والبرد يمكنه أن يقضي على البقية الباقية منه .. لكن البحر يجري في دمه .. وموج البحر يتلاقى في شرايينه وأوردته .. وكل الأسماك الجميلة تسكن في مقلتيه .. وتنتظر إطلالته البهية بين كل فجر وآخر .. فكيف يترك البحر ..؟؟ وكيف يتخلّى عن ذلك الواجب الذي كان يدعوه إليه منذ أن كان صبياً وهو في حضن أبيه ..؟؟ كيف يتمكّن من الابتعاد عن شباكه التي يعشق رائحتها الزفرة ..؟؟

ذلك الصباح لم يجده ولداه في البيت .. فقد اختفى هو وسيارته القديمة .. عرفا أين يبحثان عنه .. رغم الجو البارد .. ورغم الضباب الذي كان يغلف المدينة والشاطئ .. عثرا على سيارته قرب البحر .. ولكن لم يكن القارب الصغير مربوطاً في المرفأ .. بحثا كثيراً .. وأبلغا حرس السواحل عنه وعن قاربه المفقود .. ولم يطل البحث كثيراً .. فقد عاد رجال السواحل وهم يجرّون خلفهم ذلك القارب القديم .. وقد تمدد فيه جسد رجل لم يهجر البحر .. ولم يرغب في الرحيل عنه أو الاستغناء عنه .. وقد تغطى بشباكه الثقيلة .. ولكن دون حراك .. لقد عانقت روحه البحر حتى آخر لحظة ......

 - - - - - - - -

الصمت

تعرف عنه الكثير .. وتعرف عن علاقاته الغرامية خارج نطاق الزوجية أكثر مما يعي هو أو يدرك .. لكنها لم تنطق ولم تبحْ لأي شخص عن كل ذلك .. حتى أنها رأته بعينيها دون أن يراها .. وفضلت الصمت على كل ذلك .. وهي تجلس في زاوية من بيتها .. لا تبارحها .. لم تطلب منه أي شيء .. لا الانفصال .. ولا الطلاق .. فقط ظلت صامتة .. لم يعرف أحد سبب ذلك الصمت الغريب .. وذلك السكون الذي يعلو وجهها .. حتى جاءهم الطبيب ليخبرهم أن الأورام التي تكونت في لسانها ليس لها أي علاج .. لذلك فهي سوف تظل صامتة .. وإلى الأبد ......

- - - - - - - -

hissaalawadi@yahoo.com