بقلم : أحمد ذيبان(كاتب وصحفي أردني) ..

لم تكن تمثل رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، بهدف استعطاف الجمهور وحشد مسيرات «التسحيج «على الطريقة العربية، عندما بكت أمام الكاميرات وهي تعلن استقالتها، بدا المشهد مؤثراً في لحظة إنسانية تغلبت فيها عاطفة المرأة، وهي أشارت في كلمتها المقتضبة إلى أنها ثاني امرأة تتولى منصب رئيس الوزراء في بريطانيا بعد مارجريت تاتشر، وكلتاهما أجبرت على الاستقالة بسبب الفشل في مواجهة أزمات سياسية.

جوهر القضية أن «ماي» اتخذت قراراً شجاعاً تقتضيه التقاليد والثقافة الديمقراطية، فعندما يفشل زعيم دولة في إنجاز مهماته وبرنامجه ومصالح بلده، عليه أن يتنحى ويفسح المجال لغيره وفق الآليات الديمقراطية! وهكذا اعترفت «ماي» بأنها هزمت في مسعاها لتنفيذ إرادة الناخبين، بالوصول لاتفاق للخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، بعد ثلاث سنوات «عجاف»، واجهت خلالها صعوبات جمة، تمثلت بضغوط الأحزاب المعارضة في البرلمان، أو من قبل صقور حزب «المحافظين» الذي تتزعمه !

لا يعنينا الجدل الداخلي في بريطانيا، أو بين لندن وبروكسل حول تعقيدات وتفاصيل اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، والسيناريوهات المتوقعة أمام خليفة ماي، فأصحاب البيت أدرى بشؤونهم، لكن ما يعنينا « الدرس الآخر» في الممارسة الديمقراطية، وعنوانه أن رئيس وزراء بريطانيا الجديد، لن يكون «ولي عهد « ابن أو ابنة الرئيسة المستقيلة، أو نائب رئيس معين من قبل «الزعيم الملهم»، كما يحدث في هرم السلطة» الكاريكاتورية» في العديد من الدول العربية ! عملية انتقال السلطة في بريطانيا، ستتم عبر آلية ديمقراطية سلسة داخل حزب المحافظين الحاكم، الذي يملك غالبية برلمانية وهي طريقة تعكس إرادة الناخبين، تبدو غريبة على حياتنا السياسية العربية !

وللمقارنة فإن تخلي «الزعيم» عن كرسي الحكم في بلادنا، يتطلب إزاحته باستخدام «الجرافات»! أو إسقاطه بثورة شعبية أو الرحيل إلى القبر، وأمامنا نموذجان طازجان كما حدث في الجزائر والسودان، وقبل ذلك ما حدث في مصر وتونس واليمن وليبيا، أما سوريا فإن عناد الرئيس وإصراره على مقولة «الأسد أو أحرق البلد» ! في مواجهة ثورة شعبه، دفعه للاستعانة بتدخل عسكري روسي وإيراني والتخلي عن السيادة الوطنية، حيث بات التدخل الخارجي بمثابة احتلال رسمي، وكان حصاد ذلك مئات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين وتدمير مقومات البلد!.

ويمكن منذ اليوم تخيل ما سيحدث في القمتين الطارئتين «العربية والخليجية»، اللتين دعا لعقدهما العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في مكة المكرمة، يوم 30 مايو الجاري، عشية انعقاد قمة منظمة التعاون الإسلامي العادية الـ 14 في مكة يوم 31 مايو، وحسب تصريح مصدر في الخارجية السعودية، أن الدعوة إلى القمتين الطارئتين، جاءت «في ظل الهجوم على سفن تجارية قرب المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وما قامت به جماعة الحوثي من الهجوم على محطتي ضخ نفط بالمملكة» .

سيقيم الإعلام السعودي والمؤيد لمواقف الرياض، حفلات النفاق والمديح والتصفيق لـ حكمة القيادة الرشيدة، ومن المفارقات المضحكة أن المصدر السعودي، أشار إلى أن الدعوة للقمتين العربية والخليجية، جاءت من «باب الحرص على التشاور والتنسيق مع الدول الشقيقة «، في الوقت الذي تحاصر فيه السعودية والإمارات ومصر دولة قطر، وهي عضو في الجامعة العربية وفي مجلس التعاون الخليجي، فأي تشاور هذا يتم إدارته بعقلية الحقد والمناكفة؟.

يوجد قادة منتخبون لبعض الدول المشاركة في القمة الإسلامية، في انتخابات نزيهة تشهد منافسة حقيقية، مثل « تركيا، ماليزيا، باكستان ونيجيريا»، أما الحكام العرب فمنهم من يتآمر استخبارياً وعسكرياً أو يمول الثورات المضادة، ويرتكب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في بلدانهم، وبعضهم يرتكب جرائم حرب كما يحدث في اليمن، والغريب أن جميعهم يتميزون بالحكمة و»الرؤية الثاقبة» وبعد النظر! ويرفعون شعار «محاربة الإرهاب»، فيما شعوبهم تغرق بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومستبعدة من المشاركة في صنع السياسات والقرارات المتعلقة بإدارة شؤونها!.

Theban100@gmail.com