الدوحة - نشأت أمين:

أكد القاضي عبدالله السعدي نائب رئيس بمحكمة التمييز ورئيس إدارة التفتيش القضائي، أن القضاء قبل أن يكون مهنة أو ولاية، فهو رسالة سامية يتحقق بها حلم البشرية في العدل، وملاذ لأفراد المجتمع إلى جهة يثقون في حيادها، بما يستلزم معه أن يقوم على شؤون العدالة قضاة يتميزون بصفات وسمات قد لا تشترطها أي مهنة أخرى.



وأضاف خلال ورقة عمل قدمها أمس بجلسة «إنفاذ النزاهة القضائية من خلال مدونات السلوك والتدريب على أخلاقيات المهنة» أنه لا يكفي في القاضي أن يتحلى بهذا المسلك داخل محراب العدالة فقط، بل يجب أيضاً أن يصطحب سمت القاضي في حياته الشخصية، وتعاملاته مع المجتمع عموماً، وهذا لا يمس بأي حال من حرية القاضي الشخصية، بل إن مبادئ استقلال السلطة القضائية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارين صدرا منذ عام 1985. وأوضح أنه جاء بالبند الثامن منها الاعتراف بحق أعضاء السلطة القضائية في التمتع بحرية التعبير والاعتقاد، إلا أنه اشترط أن يكون مسلك القضاة لدى ممارسة هذه الحقوق، الحفاظ على هيبة منصبهم، ونزاهة واستقلال القضاة، ولبلوغ هذه الغايات، وتوافقت غالبية الأمم على مدونة بانجالور للسلوك القضائي، ثم اتجهت السلطات القضائية في الكثير من دول العالم، إلى جمع هذه المبادئ والقيم، في مدونة خاصة بكل دولة على حدة، ترسم للقاضي حدود وضوابط مسلكه، وتصرفاته داخل وخارج محكمته، لتكون المرجعية للقاضي وللسلطة القضائية في آن واحد، للالتزام بها، والعمل على عدم الخروج عنها. وتابع قائلا: وقد استجدت عدة أمور في السنوات العشرين الأخيرة ومن بينها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتوسع دور الإعلام في الحياة، بما يطرح التساؤل عن مدى جواز اشتراك القاضي في وسائل التواصل، وفي التعامل مع الإعلام، وقد عقدت بعض السلطات القضائية في عدد من الدول مؤتمرات وورش عمل لمناقشة هذه الأمور، ولئن كانت بعض التوصيات اتجهت إلى إجازة استخدام القاضي لوسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك التعامل مع الإعلام، سواء بشكل شخصي، أو بشكل منهجي من قبل السلطة القضائية نفسها كمتحدث رسمي باسمها يختص بالتعامل مع الإعلام، إلا أن جميع هذه التوصيات، قد توافقت على وجوب أن يكون كل ذلك وفق ضوابط وأسس محددة سلفاً، وقد حدا ذلك بالبعض إلى إدراج هذه القواعد والضوابط بمدونات السلوك القضائي.

وهو توجه نراه واجباً حتى يمكن تقويم سلوك القاضي وتعريفه بالإطار الواجب عليه الالتزام به.

وأوضح السعدي أنه لا يكفي لتحقيق الغايات المستهدفة من وضع أطر لأخلاقيات القضاء، مجرد إفراغها في نصوص مكتوبة بمدونات السلوك، بل يجب أن يتولى التفتيش القضائي دوراً أساسياً في وضعها في إطار التطبيق العملي في الواقع القضائي، بأن يستطيل دوره إلى وضع نظم وبرامج تدريبية للقضاة، لا تقتصر فقط على النواحي القانونية والإجرائية، بل تمتد إلى ما لم تعالجه النصوص، وإلى ما لم يرد في كتب، بما قد يصادفهم في الواقع العملي سواء خلال عملهم العلني في الجلسة، أو حتى أثناء المداولة بين قضاة الدائرة الواحدة، أو في تعاملاتهم مع المجتمع.

وطالب في ختام كلمته بأن تجتهد آليات التعاون الدولي القضائي في تعريف التحديثات وبناء آليات مواجهتها، أخذاً بنظر الاعتبار أن العدالة الراسخة والمدخل إليها اليوم لم تعد أبداً مسألة محلية بقدر ما هي مسألة جامعة عالمية عابرة للحدود حالها حال بقية مكونات نظام العولمة الذي نعيشه اليوم.