لندن - بي بي سي:

البشر يتناولون كميات أكبر منها كلما زادت دخولهم، أمريكا وكندا هما الدولتان الأكثر استهلاكاً للحوم على مستوى العالم، وقد شهد استهلاك اللحوم ارتفاعاً كبيراً من 70 مليون طن إلى 330 مليوناً خلال 50 عاماً عالمياً، والمواطن في أوروبا الغربيّة يأكل ما بين 80 إلى 90 كيلوجراماً سنوياً من اللحوم بينما الكمية أقل من ذلك في الدول الفقيرة.

وفي الآونة الأخيرة بات العديد من الغربيين يتوجهون نحو خفض كميات اللحوم التي يتناولونها، أو حتى التخلي عن تناول اللحوم كلياً، وهذا التوجّه يمثل جزءاً من محاولات يقوم بها الناس تهدف إلى تحسين صحتهم العامة وتقليل آثارهم السلبية على البيئة ومراعاة حقوق الحيوانات، فثلث البريطانيين يدّعون أنهم توقفوا عن تناول اللحوم كلياً أو قللوا من تناولها، بينما يقول ثلثا الأمريكيين إنهم يتناولون الآن كميات أقل من نوع واحد من اللحوم على الأقل.

ويعود الفضل لهذا التوجّه - بشكل جزئي على الأقل - إلى مبادرات جماهيريّة كحملات التخلي عن تناول اللحوم أيام الاثنين، والتخلي عنها في شهر يناير التي أطلق عليها اسم (Vegenuary)، وفي ذات الوقت، يؤكد عدد من البرامج الوثائقية ودعاة التخلي عن تناول المنتجات الحيوانيّة على المنافع المترتبة على تناول كميات أقل من اللحوم.

ارتفاع استهلاك اللحوم

ولكن هل كان لهذه المشاعر أثر حقيقي على أرض الواقع؟

ما نعرفه أن وتيرة استهلاك اللحوم ارتفعت بشكل سريع في السنوات الـ 50 الماضية، فكميات اللحوم المنتجة اليوم تبلغ خمسة أضعاف الكميات التي كانت تنتج في أوائل ستينيات القرن الماضي، أي أنها ارتفعت من 70 مليون طن إلى أكثر من 330 مليون طن في عام 2017.

وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو الزيادة الكبيرة في عدد السكان، ففي تلك الفترة من ستينيات القرن الماضي إلى الوقت الحاضر، زاد عدد البشر إلى أكثر من الضعف، ففي أوائل الستينيات لم يتجاوز عدد سكان الأرض 3 مليارات نسمة، أما اليوم فيبلغ عددهم نحو 7.6 مليار.

ولكن إذا كان لهذه الزيادة أثر في زيادة استهلاك اللحوم، فليست هي التفسير الوحيد لسبب زيادة استهلاك هذه المادة إلى خمسة أضعاف، أحد العناصر الأخرى لهذه الظاهرة هو ارتفاع الدخول، فالبشر حول العالم زادوا ثراءً، إذ تضاعف مستوى الدخل العالمي أكثر من ثلاث مرات في غضون نصف القرن الماضي.

مَن يستهلك أكبر كمية من اللحوم؟

وعندما نقارن أنماط الاستهلاك في دول مختلفة، نرى أنه على العموم يستهلك البشر كميات أكبر من اللحوم كلما زادت دخولهم، فالموضوع لا ينحصر في زيادة عدد البشر، ولكن أيضاً في زيادة عدد أولئك الذين لهم القدرة على تناول اللحوم.

وهناك علاقة واضحة بالثراء عند النظر إلى أنماط استهلاك اللحوم في الدول المختلفة، ففي عام 2013، وهو آخر عام تتوفر منه الإحصاءات، تصدرت الولايات المتحدة وكندا قائمة الدول فيما يتعلق بالاستهلاك السنوي للحوم، وقد بلغ معدّل ما يستهلكه الفرد الواحد في هذين البلدين أكثر من 100 كيلوجرام، أي ما يعادل 50 دجاجة أو نصف بقرة لكل فرد. وهذا سياق نراه في معظم دول الغرب، إذ يستهلك الفرد في معظم دول أوروبا الغربية بين 80 إلى 90 كيلوجراماً من اللحوم سنوياً.

ولكن على الجانب الآخر من الطيف، نرى أن كثيراً من الدول الأكثر فقراً لا تستهلك الا كميات قليلة جداً من اللحوم. فالمواطن الأثيوبي العادي على سبيل المثال لا يستهلك أكثر من 7 كيلوجرامات فقط من اللحوم سنوياً، والرواندي 8 كيلوجرامات والنيجيري 9 كيلوجرامات، وهي كميات أقل عشر مرات مما يستهلكه الإنسان الأوروبي العادي. فتناول اللحم ما زال نوعاً من أنواع الترف بالنسبة لسكان الدول ذات الدخل المحدود.

تمثل هذه الأرقام كمية اللحوم المتوفرة للاستهلاك لكل فرد، ولكنها لا تعكس كميات اللحوم التي تبذر في المساكن أو في الأسواق، ففي الحقيقة، لا يتناول الناس كميات أقل بقليل من ذلك، ولكن مع ذلك يمكن النظر إليها على أنها تقديرات قريبة من الواقع.

لكن لماذا نتناول بشكل جماعي كميات كبيرة من اللحوم اليوم؟،هذا التوجّه تقوده إلى حد كبير مجموعة متنامية من الدول ذات الدخول المتوسطة. فالدول التي شهدت نمواً اقتصادياً كبيراً في العقود الأخير، كالصين والبرازيل، شهدت أيضاً زيادات كبيرة في استهلاك اللحوم.

الصين والبرازيل

لنقارن ذلك بالصين على سبيل المثال، التي كان استهلاك المواطن العادي فيها من اللحوم في ستينيات القرن الماضي لا يتجاوز أكثر من 5 كيلوجرامات، وبنهاية ثمانينيات القرن العشرين ارتفع معدّل استهلاك المواطن الصيني من اللحوم إلى 20 كيلوجراماً، وفي العقود الأخيرة ارتفع هذا الرقم إلى أكثر من 60 كيلوجراماً.

الشيء نفسه جرى في البرازيل، التي تضاعف فيها استهلاك اللحوم منذ عام 1990، وهو ارتفاع تجاوز كل الدول الغربية تقريباً.

الهند

ولكن الهند كانت من الاستثناءات البارزة، فبينما تضاعف معدل الدخل ثلاث مرات منذ عام 1990، لم يواكب ذلك ارتفاع في استهلاك اللحوم، ويعتقد كثيرون بأن أغلبية الهنود نباتيون، ولكنّ استطلاعاً للآراء أجري مؤخراً بيّن بأن ثلثي الهنود يتناولون اللحوم ولو بكميات قليلة، مع ذلك، لم يزد استهلاك اللحوم في الهند، فمعدّل الاستهلاك الذي لا يتجاوز 4 كيلوجرامات للشخص الواحد سنوياً يعدّ الأقل في العالم، يعزى ذلك إلى عوامل ثقافيّة ودينيّة بالنسبة لبعض الهنود.

ارتفاع الاستهلاك في الغرب

هل يتضاءل استهلاك اللحوم في الدول الغربية؟، يقول العديدون في أوروبا وأمريكا الشمالية إنهم يحاولون الحدّ من كميات اللحوم التي يتناولونها، ولكن هل هم يفعلون ذلك فعلاً؟، كلا، فحسب آخر إحصاءات وزارة الزراعة الأمريكية، ارتفعت كمية استهلاك اللحوم للشخص الواحد في السنوات الأخيرة، وبينما نعتقد أن اللحوم بدأت تفقد شعبيتها، بلغ استهلاكها في الولايات المتحدة في عام 2018 أعلى مستوى منذ عقود، وهذا الأمر مشابه لما هو عليه في دول الاتحاد الأوروبي. ومن الملاحظ أنه في الوقت الذي نرى فيه أن معدل استهلاك اللحوم في الدول الغربية ثابت - أو يزداد قليلاً - فإن أنواع اللحوم المستهلكة تتغيّر، فالمستهلكون يتناولون كميات أقل من اللحوم الحمراء وكميات أكبر من الدجاج وغيرها من الطيور.

ففي الولايات المتحدة، أصبح استهلاك الدجاج يمثل نصف ما يستهلك المواطنون من اللحوم، بعد أن كان في سبعينيات القرن الماضي لا يمثل إلا الربع.

قد يكون لهذا التطور أثر محمود للصحة العامة والبيئة.

تأثير اللحوم

قد يكون تناول اللحوم مفيداً في بعض الحالات، فتناول كميات معقولة من اللحوم ومنتجات الألبان قد تعود بالنفع لصحة البشر، وخصوصاً في الدول ذات الدخول المتدنية حيث تفتقر الأغذية إلى التنوّع. ولكن في العديد من الدول الأخرى، يتجاوز استهلاك اللحوم المنافع الغذائيّة الأساسيّة لهذه المادة.

ففي حقيقة الأمر، قد يكون لتناول اللحوم مضار صحيّة، فقد ربطت العديد من الدراسات الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والمعالجة بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات وأنواع من السرطانات، وقد يكون استبدال هذه اللحوم بلحوم الدجاج خطوة إيجابيّة في تجنّب هذه الأمراض.

كما سيكون لعملية الاستبدال هذه أثر إيجابي بالنسبة للبيئة، فالبقر على وجه الخصوص ليست من أكثر الوسائط كفاءة في تحويل العلف إلى لحم.

فمقارنة بالدجاج، البقر أكثر ضرراً في مجالات استخدام الماء والأرض والانبعاثات الكربونية بنسبة 3 إلى 10 مرات من الدجاج.

وسيقتضي التوصل إلى مستقبل يسوده استهلاك مستدام للحوم حول العالم إجراء تغييرات جذريّة، ليس فقط في أنواع اللحوم المستهلكة بل في كمياتها أيضاً.

خلاصة القول إنه قد ينبغي أن تصبح اللحوم مرة أخرى من السلع الكماليّة.