بقلم : جورج علم (كاتب لبناني) ..

التوقيت دقيق، والقرار متقن، وليس من باب المصادفة أن يحتلّ الجولان السوري الصدارة في الإعلام، والسياسة، وسط هذه الظروف المصيريّة التي تجتازها سوريا، وبعض دول المنطقة.

أراده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «صفقة انتخابيّة» . أهداه إلى بنيامين نتنياهو، قبيل الإنتخابات الإسرائيليّة، على أمل أن يحظى بالمقابل، بدعم قوي من اللوبي اليهودي، عندما يسعى إلى ولاية ثانية في البيت الأبيض. أراده جزءًا مكمّلًا «لصفقة القرن» ، بعد القدس، ونقل السفارة الأمريكيّة اليها، وإعلان إسرائيل دولة قوميّة لليهود. أراده مدخلاً للبحث في مستقبل سوريا. «داعش» انتهى وفق حساباته، والإرهاب يلفظ أنفاسه، فيما بدأت الفصائل المتطرفة جمع مضاربها من البادية السوريّة إيذانًا بالرحيل، وحان الوقت لإطلاق العمليّة السياسيّة، ودفع كل الأطراف في الداخل، والخارج إلى الحوار الجاد، والتفتيش عن التسوية التي ترضي مختلف مكونات الشعب السوري أولًا، ثم مصالح الدول المتورّطة.

أصدر الرئيس ترامب «فرمانه» ، قال بأنه يتحدّث بلغة المستقبل، فيما يتحدث العرب بلغة الماضي. عندما اتخذ قراره بشأن القدس، انهالت الانتقادات، ولجأ المنظّرون إلى الأمم المتحدة، يستقوون بالقرارات ذات الصلّة، لكن أين هي القوّة القادرة والمتمكّنة على وضعها موضع الفعل؟. ويتكرّر المشهد عينه اليوم، مواقف تؤكد بأن الجولان جزء من الكيان السوري، ولكن ما الجدوى؟، ما الفائدة؟، ومن هو المكترث في ظلّ التوازنات الجديدة التي تفرض نفسها على أرض الواقع.

توغّل مستشاره لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، عميقًا في حسابات الأحجام، والأوزان، زار المنطقة، وأجرى مسحًا ميدانيّا، ليكتشف بأن العرب -بغالبيتهم- في خبر كان، أنظمة تخاف على نفسها من نفسها، وتخاف من شعوبها، وتخاف من وسوء أدائها، كتل معدومة رغم الإمكانات الهائلة، وتباينات تفضي إلى مشاحنات، واشتباكات، كلّ عينه على جاره، وجواره، والخوف من الذات يتقدّم على الخوف من الآخر، فيما الدول الطامعة، والطامحة تراقب، وتحسب، وتحتسب، وتقدم على الاستثمار، طالما أن المناخ مؤات، والظروف مهيأة.

استند بولتون إلى حسابات الأحجام، والأوزان، واستخلص أن العصر، إنما هو عصر إسرائيلي بامتياز في الشرق الأوسط. العرب لهم ما لهم من الأولويات، وعليهم ما عليهم من الانشغالات، والتراكمات، يخاطبون المستقبل بالوعود الفضفاضة، ويرافقون التطوّر بما يمكن استيراده، واقتناؤه، وبناءً عليه، يمكن تمرير الصغيرة، والكبيرة بأبخس الأثمان، وأقل قدر من الاحتجاج!.

وجد أن النخوة قد توقفت تجاه المبادرة العربيّة للسلام التي أقرّت في 28 مارس 2002، في قمّة بيروت. لقد انقضت كلّ تلك السنوات (17 سنة) على إعلانها، لتصبح أثرًا بعد عين. من يتذكّرها من الحكّام العرب؟، وأين موقعها على جدول أعمال قممهم، واجتماعاتهم؟. ومن يأتي على ذكرها عند صنّاع القرار عندما يتحلّقون حول خريطة الشرق الأوسط، ليرسموا خطوط الطول والعرض، لحدود مصالحهم؟.

وجد أن معادلة «الأرض، مقابل السلام» ، قد جفّ حبرها، ومضى عليها الزمن، وأصبح بالإمكان التلاعب بالأرض، والسيادات، والكيانات، وفرض الاستسلام كبديل عن السلام، وإلاّ كيف يجرؤ ترامب على شطب الجولان السوري «بشحطة قلم» ليقدّمه هديّة لإسرائيل، غير عابئ بالاحتجاجات العربيّة، والاعتراضات الدوليّة. يعرف تمامًا بأن المستقبل لا يهنأ له العيش في غرف الماضي، وعند العرب ليس سوى الاعتداد بالأمجاد، والخروج بسلاح الماضي للمواجهة، من خلال التذكير بقرارات الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، وقد تجاوزتها الإدارة الأمريكيّة منذ إقرارها، وتركتها حبرًا على ورق؟!.

ووجد دائمًا بأن غالبيّة من ينتقدون ويحتجون من العرب، يتسابقون إلى البيت الأبيض، للإشادة بـ «عظيم المبادرات، وعدالة القرارات؟!». والطامة الكبرى لا تقتصر على ما هو متداول، بل على ما تخبئه الأيام من مفاجآت موجعة قد تكون على حساب سيادة الكثير من دول المنطقة، وكياناتها، والمتغيرات المؤلمة التي قد تفرض نفسها على أرض الواقع.

يصرّ العرب على أن الجولان جزء من سوريا، وهذه هي الحقيقة. فيما يرى ترامب بأنه جزء من «صفقة القرن» ، التي دخلت حيّز التنفيذ، لترسم حدود إسرائيل الكبرى، كدولة محوريّة في الشرق الأوسط. ترامب يصنع المستقبل الذي تريده الولايات المتحدة لإسرائيل، والمنطقة، فيما يصنع العرب مضارب على ضفاف البكائيات المتناسلة، فلا الماضي فرض الحاضر المتمكّن، ولا الحاضر ينبئ بمستقبل لائق، في ظلّ الأوزان الخفيفة، والأحجام المحجّمة؟!.