توفيق زياد تعرّض للجلد بعد تعليقه على حائط في طبريا

عندنا حركة ثقافية نشطة في كل مجالات الإبداع

المُصادرة والاعتقالات سياسة ثابتة للمحتل عانى منها الأدباء

الستينيات من القرن الماضي شهدت انطلاقة الحركة الأدبية

الرقابة الإسرائيلية كانت تراقب كل قصيدة وقصة قبل النشر

اعتقلوني وصادروا مجموعتي القصصية “وردة لعيون حفيظة”

 

 حوار - أسعد العزوني:

قال الأديب محمد علي طه رائد القصة القصيرة في الساحل المحتل من فلسطين عام 1948 إن أدب المقاومة انطلق من فلسطين 48 أولاً، مشيراً إلى الدور الريادي والمهم للأدباء توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وآخرين في إشعال جذوة المقاومة الثقافية والفكرية ضد المحتل الإسرائيلي.

وذكر في حوار مع الراية أن أول جريمة ارتكبها الصهاينة بعد إقامة كيانهم، هي محاولة إلغاء الحرف العربي، لكن عمّال مطبعة الاتحاد في حيفا أخفوا أحرف الرصاص في الطحين للحفاظ على الحرف العربي.

وأكد أن الحرب الثقافية التي تدور رحاها بين الفلسطينيين والاحتلال لا تزال قائمة رغم توقف البنادق عن إطلاق النار في فلسطين المحتلة عام 48.وإلى نص الحوار:

• هلا حدثتنا عن الواقع الثقافي في أوساط الصامدين الفلسطينيين في الساحل المحتل عام 1948؟

- لدينا حركة ثقافية نشطة، من أدب وشعر وقصة قصيرة ونقد ومسرح وسينما ورسم، ويوجد جيل جديد في القصة القصيرة على سبيل المثال، فبالإضافة لي هناك زكي درويش وهو شقيق الشاعر الراحل محمود درويش، وناجي ظاهر ومحمد نفاع، ولدينا حركة نقدية من أبرز روادها نبيه القاسم ود. رياض كامل والبروفيسور محمود غنايم والبروفيسور فاروق النوايسة ود. حسين حمزة والبروفيسور سليمان جبران والشاعر الناقد فاروق مواسي.

أما في مجال الشعر فلدينا الشاعر حسين مهنا، وشكيب جهشان من شعراء المقاومة، ومروان مخول ونداء خوري من الشعراء الجدد وآخرون، أما في مجال المسرح فهناك فؤاد عوض وآخرون، ولدينا عدة مسارح تعمل بجديّة رغم أن السلطات تحاربها وتضيّق عليها، وفي مقدمتها مسرح الميدان في حيفا ومسرح الجوال في سخنين ومسرح السرايا في يافا.

هناك ممثلون فلسطينيون وصلوا لمراتب العالمية مثل محمد بكري وسليم ضو ومكرم خوري وسلوى نقارة وميشيل خليفي وإيليا سليمان وآخرون، أما الحركة الروائية فتشهد نشاطاً كبيراً في المدة الأخيرة وأبرز روادها حسين ياسين ورجاء بكرية وسهيل كيوان، وهناك أقلام شابة واعدة أبرزها راوية بربارة وعلاء حليحل.

وفي مجال الرسم عندنا مجموعة كبيرة من الفنانين المُبدعين مثل عبد عابدي، وليد قشاش، إبراهيم حجازي وآخرون.

• حدثنا عن نشأة الحركة الثقافية في فلسطين المحتلة عام 1948 وما هي التحديات التي واجهتكم؟

- كان مخاض الحركة الثقافية في فلسطين بعد عام 1948 قاسياً، فنحن الذين بقينا صامدين ولم يتم ترحيلنا وكان عددنا 150 ألفاً آنذاك، كنا عبارة عن أقلية صغيرة، والأغلبية الساحقة كانت من القرويين الأميين، لأن المجتمع المديني تم القضاء عليه إبان النكبة بعد احتلال عاصمة الثقافة الفلسطينية يافا، وكذلك حيفا وعكا وصفد وطبريا واللد والرملة وبيسان، إذ غادر المثقفون والمتعلمون البلاد وتحوّلوا إلى لاجئين في بعض الدول العربية، كما قامت العصابات الصهيونية بنهب المكتبات العامة والخاصة والمطابع في فلسطين.

كانت السلطات الإسرائيلية تسعى للقضاء على كل ما هو عربي فلسطيني، حتى أن الحاكم العسكري حاول مُصادرة مطبعة الاتحاد في حيفا، التابعة لجريدة الاتحاد الصادرة عام 1944 حتى يومنا هذا، ولكن عمّال المطبعة أخفوا الحروف الرصاصية في الطحين ليحافظوا على حرف الضاد.

وأثناء ذلك بدأت حركة شعرية بسيطة قادها عصام العباسي وحنا إبراهيم وحنا أبو حنا ومحمود دسوقي، رافقتها حركة نثرية أصدرت مقالات لإيميل توما وإيميل حبيبي وجبرا نيقولا، ثم ظهر جيل من الشعراء الذين برزوا في مجال شعر المقاومة وأبرزهم شكيب جهشان ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران، كما ظهرت القصة القصيرة أيضاً، وكانت الرواية الأولى لإيميل حبيبي بعنوان “الوقائع الغريبة لسعيد بن نحس المتشائل” ونستطيع القول أن فترة الستينيات من القرن الماضي شهدت انطلاقة الحركة الأدبية شعراً ونثراً عندنا.

لفتت هذه الانطلاقة نظر إخواننا في الوطن العربي وألّف عنها الشهيد غسان كنفاني كتابين، كما أصدرت مجلة الطريق اللبنانية عدداً خاصاً ضم قصائد وقصصاً لكتاب من الداخل، ثم بدأ النقاد العرب يهتمون بهذا الأدب، وكتبت عنا مجلة الآداب اللبنانية للكاتب سهيل إدريس ومجلة أقلام العراقية وآخرون، وأشير إلى أن أدبنا كان مُحاصراً من قبل السلطات الإسرائيلية، لأن الرقابة الإسرائيلية كانت تراقب كل قصيدة وقصة قبل النشر، وأحياناً كانت تصدر صفحات فارغة، ومن المضحك المبكي ظهور صدر بيت الشعر بدون العجز وبالعكس، كما كانوا يُصادرون كتباً كثيرة مثل مجموعة شعرية للراحل سميح القاسم، وآخر للراحل محمود درويش، كما صادروا مجموعتي القصصية بعنوان “وردة لعيون حفيظة” وقاموا باعتقال عدد من الشعراء والأدباء لفترات متباعدة وأبرزهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياء الذي تعرّض للجلد بعض تعليقه على حائط في طبريا، وقد اعتقلوني لفترات قصيرة متباعدة أيضاً.

 • هلا أطلعتنا على بداياتك الإبداعية وما هي التحديات التي واجهتها وكيف تغلبت عليها؟

- بدأت الكتابة عندما كنت طالباً في الثانوية العامة في بلدة كفر ياسيف - قضاء عكا، وكنا في الصف مجموعة من عشّاق الأدب، وكان يجلس بجواري على المقعد الدراسي من الصف التاسع حتى الثاني عشر الشاعر محمود درويش، ومعنا الشاعر سالم جبران، واتجه الاثنان إلى كتابة الشعر في تلك الفترة، بينما أنا فكنت أميل إلى كتابة القصة بعد أن وقعت يداي على مجموعة قصصية للكاتب الفرنسي جي دي موباسان باللغة الإنجليزية، وأخرى للكاتب الروسي أنطون تشيخوف ولكن بالعبرية، وثالثة للكاتب المصري محمود تيمور بعنوان ”أبو الشوارب”.

أعجبت بهذا الجانب من الأدب، وبدأت بكتابة القصة وكانت مغامرة كبيرة أن أسبح ضد التيار، لأن مجتمعنا يعرف أن الشاعر هو الأديب فقط، والشعر يُلقى في المهرجانات، بينما القصة فتحتاج إلى قرّاء.

أنا ابن النكبة الفلسطينية ووُلد قلمي من رحمها، ففي 19 يوليو 1948 احتلت العصابات الصهيونية قريتي ميعار- قضاء عكا، وفي ذلك اليوم خسرت قريتي وبيتي وبئر الماء الذي كنا نشرب منه وشجرة التين وشجرة التوت، كما خسرت أترابي الذين كنت ألعب معهم، ولم أشاهدهم منذ ذلك اليوم، والأهم من كل ذلك أنني خسرت كتابي الأول للقرّاء وعنوانه “الجديد “ لخليل السكاكيني، كما خسرت كرتي ودفتر الرسم وطفولتي بمجملها.

كل ذلك أثر عليّ كثيراً، أضف إلى ما ترتب على العائلة من وضع يتسم بالحرمان والفقر لفقداننا البيت والأرض، وبعد أن عدنا من جنوب لبنان لأن والدي رفض أن يعيش لاجئاً هناك خاصة أن عمّالاً من الجنوب كانوا يعملون عندنا، عشنا تحت شجرة، وعانينا من الجوع، وحدثت لنا مأساة كبرى تمثلت بوفاة أختي وعمرها أربع سنوات بعد معاناتها مع المرض، وحمل والدي جثمانها وتوجه مع صديق له لدفنها في مقبرة سخنين، ولم نتمكن من التعرف على قبرها حتى اليوم.

طيلة دراستي الثانوية لم أتمكن من شراء أي كتاب لعدم توفر النقود مع أبي بسبب فقرنا، وكنت أستعير الكتب من طلاب في صف أعلى من صفي، وأحياناً كنت أنسخ بعض الكتب على دفاتري بالقلم، لذلك ليس غريباً أن تكون أول قصة كتبتها بعنوان ”متى يعود أبي؟”، وتتحدث عن طفل فلسطيني حمل والده البندقية واتجه إلى حيفا للدفاع عنها ولكنه لم يعد.

إذا قرأت مجموعاتي القصصية وهي 14 مجموعة وروايتي ومسرحياتي الخمس وغيرها من إنتاجي، سوف تجد أن نكبة 48 موجودة في كل قصة وفي كل كتاب.

لقد أصدرت مجموعتي القصصية الأولى عام 1964 بعنوان “متى تشرق الشمس” في مطبعة الحكيم بالناصرة وعلى حسابي الخاص، أما الثانية وعنوانها “سلاماً وتحية” عام 1968 عن دار الجليل في عكا، أما المجموعة الثالثة التي اعتبرها جواز سفري لعالم القصة فأصدرتها عام 1974 عن دار “عربسك” لصاحبها الشاعر سميح القاسم وعنوانها “جسر على النهر الحزين”، وأعيدت طباعتها في بيروت عن دار ابن خلدون، وقد طبعت خمس طبعات ولفتت أنظار النقاد العرب إليّ.

بعد ذلك صدرت المجموعة الرابعة لي واسمها “عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر”، وبعدة طبعات داخل وخارج البلاد، تلتها مجموعة “وردة لعيون حفيظة” التي صادرها الاحتلال ثم أطلق سراحها لاحقاً بعد تدخل من منظمة الأدباء العالميين ثم توالت المجموعات الأخرى مثل “ويكون الزمن الآتي” و”بئر الصفا” و “النخلة المائلة” و،العسل البري” وفي مديح الربيع” و”مدرس الواقعية السحرية”.

كتب عني أكثر من 30 ناقداً من الداخل والخارج مثل محمود أمين العالم وفريدة النقاش من مصر، كما صدر عن أعمالي عدة كتب مثل “محمد علي طه مبدع راودته الكلمات وراودها“ للناقد الكبير نبيه القاسم، و”إشتيار العسل“ للدكتور محمد حمد، وسوف يصدر كتاب آخر عني للناقد البارز د. رياض كامل، كما ظهرت أطروحة دكتوراه عني باللغة الألمانية في جامعة برلين للشاعر الفلسطيني علي الصح.