بقلم : د. منصور محمد الهزايمة  ..

بقي أحد الفلاسفة يهاجم التاريخ مدى عمره، وينتقده بشدة، ما أثار فضول الناس من حوله، وعندما سألوه: لمَ كل هذا العداء الذي تكنّه للتاريخ؟ أجاب: لذلك قصة، كنت يوماً أجلس في شرفة منزلي، وفجأة، وقع حادث سيارة أمام عيني، بعد ساعات رأيت خبراً في نشرة أخبار التلفزيون المحلي يتناول الحادثة، لكن بصورة مغايرة تماماً لما حدث، ويروي تفاصيل مُختلقة جذرياً، وفي اليوم التالي صدرت الصحف المختلفة تتناول الواقعة برواية أغرب من الأولى، والأدهى أن كلاً منها نقلها بصورة تختلف كلياً عن الأخرى.

إذا كان هذا هو الواقع في زمن وسائل الإعلام الحديثة التي تسجل الحدث بالصوت والصورة، فهل يمكننا أن نتخيل كيف كانت تُنقل الروايات المُختلفة للأحداث بين الناس عبر النقل المُتواتر وخلال حِقب الزمن المُختلفة؟ وكيف يمكن أن نركن تماماً إلى ما وصلنا من وصف للأحداث دون أن نُعمل عقولنا فيما وردنا؟

ربما لا توجد أمّة تغرق في تاريخها كما هو حال الأمة الإسلامية اليوم، لما نشأ عن التداخل بين الديني والسياسي، فالعودة إلى التاريخ تأتي من باب أن ما يحدث في الحاضر، ربما وقع مثله في الماضي، ولهذا نعود إليه لنتعلم العبر والدروس كي نبني عليه في الحاضر والمستقبل، هكذا تفكر الأمم التي تسعى للتطور والتقدم، أمّا في حالنا فقد علقنا في ماضينا ولا نكاد نفلت منه.

في البدايات كان تاريخ الأحداث يشبه الأدب القصصي، وله قصدٌ من مقاصد التسلية، لذلك كان يزخر بالشعر والبلاغة والخيال، ويركز على الجوانب التي تسرّ الناس، ويتشوقون لسماعها، أمّا الحدث التاريخي نفسه كما وقع، بدقة، وموضوعية، فيبدو أنه كان آخر اهتمامات من تصدّى لنقل هذه الروايات، ولا أدل على ذلك من ربط التاريخ بِسير ذاتية لأفراد، أو أسر تُنسج حولهم قصص البطولات الوهمية، وتحاك عنهم الحكايات الخرافية، فيما يسرده القاص، أو الراوي، لكنها بطبيعة الحال تستهوي المتابعين، وما أدل على ذلك من قصة الزير سالم، أو السيرة الهلالية في تراثنا العربي، أو الإلياذة والأوديسا في تاريخ الإغريق، بحيث كان يبلغ شغف الجمهور بهذه القصص أنهم لم يكونوا قادرين على انتظار بقية القصة حتى اليوم التالي، ومن النوادر أن أحدهم ذهب إلى الراوي آخر الليل مهدداً ليخبره بما سيحدث لبطل القصة.

من يقرأ في التاريخ يرى العجب في رجب، من حيث التفاوت حد التهافت في مبنى الروايات، أو السير، أو الأحداث، أو تغاير الزمان والمكان، لذلك لا حاجة للتأكيد بأن التاريخ كُتب دائماً بقلم الغالب أو المنتصر، وبمداد التسلط والاستبداد، حتى أننا نجد أن الأحداث الجسام كالحروب مثلاً سميت بأسماء القادة أو الزعماء، دون النظر لتضحيات الأمة أو الأفراد، وربما أبرز مثال على ذلك ما حدث في مصر، عندما تمّ تشويه العهد الملكي لصالح الثورة (الانقلاب) عام 52، وبتنا اليوم نجد الناس تنتقد بشدة عهد الجهو- ملكية العسكرية، وتعيد الاعتبار وتستحضر الحنين لعهد الملكية.

اليوم أيضاً في ظل تدفق معلوماتي ضخم عبر وسائل التواصل والإعلام، يبدي في ظاهره التنافس على معاينة وجه الحقيقة، لكنه في باطنه يروج للتدليس وقصدية التضليل، من خلال العبث في الخبر بطرق شتى وأساليب حديثة، فوقع الناس في حيرة، كيف وممن يطالعون وجه الحقيقة؟ لكنّ الخطورة هنا تكمن في أننا ندرك أن الثقافة والتعلم العرضي التي يتعرض له أطفالنا مغلفة بالكذب والتدليس، دون أن تكون لديهم القدرة على فضّ الغلاف الزائف.