بقلم : د. محمد زكي عيادة ..

كي يؤدِّي الإنسان واجبه المهنيّ والاجتماعيّ على أكمل وجهٍ لا بُدَّ له من محاسبةٍ صادقةٍ للنَّفس تدفعه قُدمًا للجدِّ والمثابرة تحقيقًا للرِّضا وراحة الضَّمير، الأمر الذي ينشده سائر البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وفي شتَّى الميادين، ولكنْ قد يُخطئ بعضهم الوسيلة فيتخطّى لوم الذّات إلى تحميل الآخرين مسؤولياته! وأكثر ما يتجلَّى ذلك في ميدان التعليم. فصحيحٌ أنَّ واقعنا الشرقيّ يكثرُ فيه أصحاب الضَّمائر الحيَّة مِن السَّاعين لبناء تعليمٍ متميِّزٍ إلَّا أنَّنا نجد في بعض زواياه مَن يُفتِّش عن (شمَّاعةٍ) فولاذيَّةٍ يُعلِّق عليها تقصيره وأخطاءه، ويواسي بها ضميره المتهالك، ولا تراه يبذل كبير عناء حتى يجد ضالَّته!

فإنْ كنت مسؤولًا في دائرة التَّعليم ممَّن لا يشغله إتقان العمل وإدراك المهام والأدوار، ولا يحبُّ القراءة عن المهنة ولا الحديث عن التَّغيير والتَّطوير وأخطاء النَّفس والعثرات... فلا تبتئس، فالشَّماعة في قبضتك، إنَّه المُعلِّم، طالِبْه أن يؤدِّي دورك، وينجز مهامك، ليكُنْ مستشارًا ومحكِّمًا وموجِّهًا ومفتِّشًا...وإنْ تهاون أو تذمَّر فعليك بالوعيد حتى يتقن عملك، ويتعلَّم كيف يرسم الرِّضا على وجهك؛ فذلك يحفظ لك هيبتك، ويعظِّم (أنا) شخصيَّتك.

وإنْ كنتَ مديرًا ممَّن لا يحبّ مجابهة الجمهور وحفظ رؤية مدرسته ولا حتى رسالتها، ولا يطيق فنَّ الإنصات والحوار والنَّقد وإدارة أبسط الأزمات... فلا تغضب، فالحلُّ ملكُ يمينك، إنَّه المُعلِّم، هدِّده في رزقه، وذكّره ببؤسه وعبوديَّته، وسلِّط عليه العيون والنُّوَّاب والعمَّال والكاميرات وكابوس التَّفتيش و(التَّفنيش)؛ فذلك يُصفِّي مزاجك، وينسج الهالة والرَّهبة على باب مملكتك.

وإنْ كنت أكاديميًّا ممَّن ينتقد التَّغيير والتَّطوير والتَّصويت والتَّفويض، ويعجز عن التَّخطيط والإنجاز والإبداع، ويتجنَّب التَّشجيع والتَّحفيز والمكافأة... فلا تأسَ، فالحلُّ رهن أجندتك، إنَّه المُعلِّم، مُرْه أن يخطِّط عنك، ويطوِّر عنك، ويصنِّف عنك، ويصفِّق لك، علِّمه فنَّ التَّبسم في وجهك، تحكَّم بأوقاته وأنفاسه وآرائه وصحَّة أطفاله، واخنقه بربطة عنقه؛ فذلك أيسر لك من إدارتك لذاتك.

وإنْ كنت مشرفًا ممَّن لا يحبُّ مهنته، ولا يتحمَّل ثقل الجيل والعويل، ولا لقاء أولياء الأمور، ويستصعب السَّير في السَّاحة، والوقوف على البوَّابةِ، ومسك القلم، والنَّظر في السَّاعة... فلا تحزن، فالحلُّ تحت يديك، إنَّه المُعلِّم، أوقفه خلف (الطَّابور)، وأمام سيل المشاجرات، وتحت الشَّمس، وعلى أبواب المطعم والحمَّامات، فيوقظ النَّائم، ويعين العاجز، ويردُّ الشَّارد، ويشتبك مع الآباء، ويرعى كلَّ الحالات؛ فتستمتع بذلك مع جوَّالك وفنجانك.

وإنْ كنت وليَّ أمرٍ ممَّن خطفته الدُّنيا بمشاغِلها، فيخطئ في ترتيب أبنائه وأسماء مدارسهم، ويجهل مستواهم وسلوكهم، وينتفض للاستدعاء والتَّنبيه والتَّوجيه، ويتكدَّر حين استلام التَّقرير... فلا تغتم، ولا تهتم، فالشمَّاعةُ في دائرة مُلكك، إنَّه المُعلِّم، عاتبه، وهدِّده، وألبسه مهامك، وسلِّمه رايتك لينوب عنك في تربية أولادك من دون أن تسمح له بخدش أمزجتهم، فإن نجح في مهمَّته فتلك شهد إنجازه، وإن فشل فعليه وزر إخفاقه، وليتحمَّل اللَّوم والتَّقريع والتنديد.

قديمًا قالوا «المعلِّمُ شمعةٌ تذوبُ؛ لتنير دروب الآخرين» وحديثًا طعنوا الشَّمعة، إذ غرسوا في وسطها ألفًا أحالتها شمَّاعةً تُعلَّق عليها الأهواء وعُقد النَّقص؛ فانقلب حال المُعلِّم واختُزلَت حكايته بالرَّاتب، إذ بات الثَّناء والتَّكريم في حقِّه ثقافةً منسيَّةً أو عروضًا مسرحيَّة، وغدت مهنته لعنةً تفرُّ منها الأجيال؛ فاجتمعت في فكره الهواجس، وازدحمت على جداره الجداول والمهام واللجان، وتراكمت على مكتبه الدَّفاتر والوسائل والملفَّات وعُلب الدَّواء، وازدحمت في جوَّاله رسائل التَّكليف والتَّذكير والتَّنبيه صباح مساء... حتى لم يعد لروح التَّدريس مكان!

ووسط هذه المعمعة تجد غُرفًا مظلمةً، يقبع خلف مقاعدها أشباه طلبةٍ فقد معظمهم إدراك الزَّمان، وأبعاد المكان، وغاية الحياة، وقيمة الإنسان! فسال من الجُرح سؤالٌ نازفٌ: كيف لأُمَّةٍ أن تنهض من ظلام كبوتها وشمعتها باتت شمَّاعة؟