بقلم : رائد حمزة مقداد ..

فيروس انتشر كالنار في الهشيم إنه خفيّ يفتك بجسد المجتمع والعائلة إنه أخطر من المخدّرات والمسكرات إذ إن هذه يمكن الشفاء منها ويمكن علاجها بالطب والعقاقير، أما فيروسنا من خطورته ليس له شفاء ويصعب القضاء عليه وتجنبه، إنه باختصار فيروس العوالم الافتراضية التي أضحت اليوم تحيط بعالمنا، وتمتص كل ما فيه لتحوّله إلى أرقام وصور، هكذا أصبحت العلاقات بين البشر افتراضية، والعملات افتراضية، والبورصة افتراضية، والشركات افتراضية، والألعاب افتراضية، وكل ما نخشاه في المستقبل أن يصبح الحمل لدى المرأة وتلقيحها أيضاً افتراضياً، والرجل افتراضياً ولكن، ماذا يحدث عند الخط الفاصل بين الحياة الحقيقية والعالم الافتراضي ؟

في الآونة الأخيرة تطلّ علينا ألعاب إلكترونية مما لها آثار سلبية على الصعيد النفسي والاجتماعي، وإحدى الألعاب التي سيطرت على عقول الأفراد هي لعبة «البوبجي»، حيث حققت هذه اللعبة شهرة واسعة بين الشباب، في جميع أنحاء العالم، ففيها ترى مشاركين من كل الجنسيات، واستطاعت اللعبة أن تسيطر بقوة على ساحة الألعاب في العالم، وكانت سبباً أساسياً لعزلة كثير من الناس والعائلات في البيت الواحد، ومن أسباب انتشار هذه اللعبة هو عامل التسلية بدون وعي للتأثيرات الجانبية، وأوقات الفراغ، الملل وعدم وجود عمل للانشغال به، مشاكل اجتماعية، والعامل الأساسي للجوء الأفراد هي النشوة النفسية التي يحصل عليها من خلال هذه اللعبة، المشاكل الأسرية والزوجية على حد سواء، أيضاً جو يفرضه الأصدقاء، والهروب من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي وهنا يشعر الفرد بتحقيق ذاته ،»النكوص» وهو الرجوع إلى مرحلة عمرية سابقة بعد التعرّض لضغوط الحياة وأسوأ تأثيراً على الدماغ، حيث يؤثر اللعب على الدماغ مثله مثل أي نوع من الإدمان والسبب أن هذه الألعاب تفرز هرمون الدوبامين، ما يجعل الشخص عرضة للإدمان، فيفقد القدرة على التركيز والانتباه، والتحكم بانفعالاته، كما يؤثر في قدرته على التعاطف ومرونته، ويؤثر على الصحة أيضاً من خلال اضطراب النوم وتضر بالعمود الفقري، وهي عامل أساسي في تدمير الكثير من العلاقات الشخصية وعدم الانصياع للأهل، البيوت أصبحت خاوية على عروشها، وسكانها صامتون أينما ذهبوا ذهبت معهم اللعبة، داخل بيوت الراحة على الطعام والزيارات وحتى في بيوت العزاء والأفراح باتت اللعبة تجسّدنا وتحمل أرواحنا، حوّلتنا أجساداً خاوية من الروح.

في الختام أدعو كل مسؤول وكل من يحمل على عاتقه جيلاً بأكمله إما أن يرفع اسم البلاد ونهضتها عالياً وإما أن يتركها للضياع أن نقف صفاً واحداً ونخرج جميعاً لعالمنا الواقعي ونترك العالم الافتراضي ونرمم الشرخ الذي حدث في مجتمعنا من العالم الافتراضي، إن الزمن الذي يستهزئ به جيل اليوم كان يحمل قيماً أصيلة من العلاقة بين الناس، كان الغني يأخذ بيد الفقير والقوي بيد الضعيف وكان الزوج والزوجة يداً واحدة في البيت، الابن كان ليناً طائعاً لوالديه، الفتاة كانت جوهرة مصونة في بيتها، لم لا نتقدّم ونرتقي ونبني الأبراج ونخترع أعظم الاختراعات مع الحفاظ على هويتنا وطابعنا وإرثنا الجميل؟ لم لا نترك العالم الافتراضي لاستخداماته الأساسية ونتحكم به بدلاً من أن يتحكم بنا ونبرمجه لحضارتنا وإرثنا الجميل ونرجع يداً واحدة وقلباً واحداً وجسداً واحداً ونترك العالم الافتراضي لأهله وناسه ونترك هذه اللعبة التي دمرت بيوتاً وأسراً وقتلت أطفالاً وشباباً وأسرتهم داخل سجون افتراضية، السجن هو الهاتف الذكي واللعبة والمسجون والسجان هو مدمن اللعبة، أدعو أصحاب القرار وكل من بيده القرار منع هذه اللعبة وغيرها وأن نبدأ من الآن قبل أن يتغلغل ذلك الفيروس اللعين ويفتك بجسد مجتمعنا ويدمّره ويفتك به وعندها لا ينفع الندم ولا تنفع كلمة يا ليت.