بقلم - جهاد فاضل:

ليست المكسيك بلداً ضعيفاً في سيرة الشعر في العالم، وإنما هو من مرابض الشعر الأساسيّة فيه مثله مثل باقي بلدان أمريكا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين التي تتوفر فيها محفزات كثيرة لحركات أدبيّة يُشكل الشعر والرواية أبرز تجلياتها. ومن الأدلة على ذلك حصول أدباء هذه البلدان مراراً على جائزة نوبل للآداب مثل الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، والروائي الكولومبي وغبريال غارثيا ماركيز، والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث الذي يُنظر إليه في بلده لا كشاعر كبير وحسب، بل وداعية حداثة ومؤسس مجلات ومنتديات تدعو إليها وتنظّر لها.

ومن يقرأ الكتاب الذي نعرض له اليوم (قصائد من المكسيك) الذي نقل أشعاره قيصر عفيف إلى العربية يجد شعراء مكسيكيين آخرين كباراً منهم الشاعر خايمي سابينس وهو شاعر عربي الأصل. فهو ابن المهاجر اللبناني خليل صغبيني الذي هاجر إلى المكسيك والتحق بالجيش الجمهوري ووصل إلى رتبة رائد، وعندما وصل مع فرقته العسكريّة إلى إحدى ولايات المكسيك وقع في غرام ابنة حاكم الولاية وتزوجها. وله فتوحات كثيرة في الشعر منها نيله عدداً من الجوائز الأدبيّة المرموقة.

يصدّر قيصر عفيف، وهو شاعر وكاتب لبناني مقيم في المكسيك، كتابه بمقدمة يقول فيها إن ترجمة الشعر ضرب من العشق، لا يعرف أسرارها وخباياها إلا من يكابدها، ولا يقوم بها إلا من وقع في غرامَين معاً: عشق الشعر وعشق اللغات. لهذا اختلف الشعراء والمترجمون حول فوائدها والكثير من جوانبها. رأى بعضهم كالأرجنتيني بورخيس أنه إذا كانت الكتابة نفسها تشويهاً، فالترجمة نفسها تشويه التشويه. أما الشاعر الأمريكي روبرت فروست فعنده أن ما نخسره في الترجمة إنما هو الشعر.

ويضيف قيصر عفيف: تعلّمت أن القصيدة ليست مجموعة من الكلمات، وأن الكلمات ليست أشياء ذات وجود مستقل خارج الذات. أدركت أن الكلمة في حقيقتها حدث، ولهذا تكون القصيدة أيضاً مجموعة أحداث تتشابك وتتداخل وتتعاقب وتتفاعل في علاقات حميمة ووثيقة لتخلق الجو العام للقصيدة. وكان همّي الوصول إلى هذا الجو ونقله في لغة عربية بسيطة لا تعكر مزاج القارئ ولا تنهك قواه الذهنية بحثاً عن المتعة.. كانت الصعوبة في نقل اللغة الشعرية. الشاعر في كل اللغات يبدع لغة داخل لغة. كلمات القصيدة لا تعرفها المعاجم وبالتالي كيف تنقلها دون خيانة النص وخيانة المعاني؟

لم تكن الترجمة الحرفيّة نهجي أو طريقتي. كانت غايتي أن أحفظ بريق القصيدة وسحرها. أن أحفظ نكهة القصيدة وعبقها ليتمتّع بها القارئ في لغتها الجديدة. حاولت كل ذلك دون أن أغرق القصيدة بسلاسل اللغة التي أنقل منها. أردت أن أحرّرها لتبدو بسيطة، ولتأتي في تراكيب عربيّة حتى لا تبدو وكأنها تأتي بلكنة غريبة.

ويبدو أن قيصر عفيف وفّى بالوعد الذي قطعه على نفسه وعلى قارئه معاً من حيث متعة قراءة الشعر المكسيكي بلغة عربية بسيطة لا تعكّر مزاج القارئ ولا تنهك قواه الذهنيّة بحثاً عن المتعة. كما أنه أبى أن يطلق على ما فعل عبارة (ترجمة) وعلى نفسه صفة مترجم، أو ناقل، وإنما استخدم عبارة (هيأ النصوص العربية)، وكأنه يبحث عن فرصة نجاة من متاعب الترجمة ومشقاتها وخطاياها.

ومن النصوص الشعرية المكسيكية التي هيّأها قيصر عفيف بالعربية هذه القصيدة لأمير شعراء المكسيك أوكتافيو باث وعنوانها (حركة):

إن كنتِ فرس العنبر

فأنا طريق الدم

إن كنتِ زخّة الثلج الأولى

فأنا الذي يشعل مجمرة الفجر

إن كنتِ برج الليل

فأنا المسمار المشتعل في جبهتك

إن كنتِ دوحة الصباح

فأنا صرخة العصفور الأول

إن كنتِ سلّة برتقال

فأنا سكيّن الشمس

إن كنتِ هيكل الحجر

فأنا اليد المدنّسة

إن كنتِ الأرض الراقدة

فأنا القصب الأخضر

إن كنتِ وثبة الريح

فأنا النار الخفيّة

إن كنتِ مصبّ المياه

فأنا مصبّ الطحالب

إن كنتِ غابة الغيوم

فأنا الفأس التي توزعها

إن كنتِ المدينة المدنسة

فأنا مطر التقديس

إن كنتِ الجبل الأخضر

فأنا أزرع الليكن الحمراء

إن كنتِ الشمس المشرقة

فأنا طريق الدم..

وفي قصيدة أخرى يتحدث أوكتافيو باث عن الشعر:

الشعر فكرة واضحة

كلمة غير واضحة

يروح ويأتي

بين الموجود واللاموجود

ينسج انعكاسات ويفكّها

يزرع عيونا في الصفحة

ويزرع كلمات في العيون

العيون تتكلم

والكلمات تنظر

والنظرات تفكر

تسمع الأفكار

ترى ما تقول

وتلمس جسد الفكرة

تغمض العيون

فتنفتح الكلمات

ويتضمن الكتاب مختارات كثيرة من الشعر المكسيكي المعاصر والحديث لشعراء نسمع بأسمائهم للمرة الأولى منهم ألبرتو بلانكو، وهذه قصيدة موجزة له عنوانها «الملجأ الأخير»:

كلما أردتُ الهروب من الزمان

ألتجئ إلى المكان

كلما أردتُ الهروب من المكان

ألتجئ إلى الزمان

كلما أردت الهروب من المكان والزمان

ألتجئ إلى نفسي

كلما أردتُ الهروب من نفسي

يكون الله ملجأي الوحيد..

وثمة فصل عن شاعرة هي أستاذة فلسفة الدين في جامعة مكسيكو اسمها إلسا كروس وتمتاز برؤيتها الصوفية الهادئة. عندما كانت تكتب أطروحتها عن نيتشه قبل سنوات أغمضت عينيها لحظة فرأت وجه المتصوف الهندي موكتنندا. بعدها سافرت إلى الهند لتلتقيه وتمارس العرفان على طريقته. ولهذا يدور شعرها الحديث حول تجربتها الروحية وعلاقتها بالمطلق. هي ترى في كتابة الشعر اندماج الوجود الأكبر والوجود الشخصي، وهي تعتبر أن الكتابة شكل آخر من أشكال المحبة.

وفي هذا الفصل مع الشاعرة إلسا كروس حوار أجراه معها قيصر عفيف يسألها فيه: كيف تعرف نفسها لقارئ من حضارة أخرى فتجيب:

- بالشعر مع أن من الصعب مواجهة القارئ العربي لأن العرب تركوا عبر تاريخهم وعلى امتداد أوطانهم شعراً ممتازاً. عندما أعود أحياناً إلى شعري أجد ظاهرة غريبة تدهشني ولا أدري كيف جاءتني. أرى رموزاً وإشارات حضارية خدمتني كإطار عام، كهيكل عظمي كان له دور مهم في إعطاء مجموعة شعرية شكلها النهائي. مثلاً مجموعتي الشعرية التي صدرت بعنوان «ديوان عنتر». بعض قصائدها ظهر في الهند وبعضها في مكسيكو.

وحمل بعضها صوراً من أوروبا العصور الوسطى. الحضارات المختلفة بمثابة ثياب للكائن البشري، وهو يثمر في حضارته لكنه يتخطاها، بل يجب أن يتجاوزها للقاء الكائن البشري الآخر في الحضارات الأخرى. صحيح أن على الإنسان أن يخلص لحضارة معينة وتراث معين، لكنه انطلاقاً من هذا التراث عليه أن يدرك القيمة الموجودة في الحضارات الأخرى، إذ لكل تراث قيمته وأهميته.

وعندما يسألها محاورها: أين تكمن لشاعرة مكسيكية الأهمية الحضارية لشاعر مثل عنترة، تجيب:

- الحقيقة أني عرفت أن عنترة شاعر جاهلي بعد أن كتبت قصائد هذه المجموعة، حيث تجد صورة محارب من الصحراء وصورة غزال. سمعت اسم عنترة لأول مرة في جلسة تأمل، ولما بحثت عنه في الأنسيكلوبيديا عرفت أنه شاعر جاهلي.ليس في هذه المجموعة ما يشير إلى عنترة الأصلي، لكني معجبة بشعر البداوة حيث تظهر صور شعرية رائعة. يدهشني كيف تظهر هذه الصور الفنية في جدب الصحراء،كما في أناشيد واحات هجار في الصحراء المغاربية.

وقالت هذه الشاعرة إنها تقرأ أناشيد قديمة لم يكتبها شعراء وإنما هي في أساسها أغانٍ لقبائل مختلفة من العالم، هي صلوات تُتلى في احتفالات خاصة.

وجدت فيها رؤية خاصة وعلاقة مباشرة بالعالم. هنا التوتر الشعري على أشدّه.

وهذا التوتر يعني دوام الكثافة والقوة في الصور واللغة. فلا تراها تصنّف في الكليشيات. مثلاً كنت أظنّ أن شعر هنود المكسيك انتهى، وكانت مفاجأة لي أن أرى عودة هذا الشعر من تراثات ولغات قديمة كالمايا والنواتل والسابوتيكو.

قصائدهم ترتبط بالتراث المحلي فيها تجربة الإنسان الذي يواجه حضارة جديدة، يواجه المدنية الإسبانية. لغاتهم القديمة غنية بشكل يلفت النظر. اللغة عند بعضهم صورة شعرية. في إحدى هذه اللغات لا وجود لكلمة «ضفة»، فإذا أرادوا التعبير عنها قالوا «حيث المياه تعانق الأرض».

إلى هذا النوع من الشعر أقرأ الشعر الصوفي، أقرأ الرومي والحلاج. أرى أن الرومي أعظم الشعراء كافة، أقرأه كأني أقرأ شاعراً معاصراً. أتصور وأنا على قراءته كأني أمام شاعر سوريالي.

ومن شعر إلسا كروس هذه القصائد القصيرة:

قصيدة بعنوان توازن:

على جبل فوق هاوية أمشي ببطء

أتردّد،

أتوقف،

ماذا لو وقعت؟

وإن وقعت ما همّ؟

فإلى أين أقع؟

أأقع حيث لا وجود لك؟

وقصيدة بعنوان عيد الغطاس:

أحيانا تبدو

وحين أعود إلى صورتك تختفي

إلى أين تذهب؟

أين تختبيء كل هذا الوقت

وتتأخر بالرجوع؟

تأتي في الأحلام

وحين تحاول الذاكرة استعجالك

أستيقظ.

وحدهما عيناك للحظة،

وحتى أسترجعهما أكدح ليل نهار.

ويبدو أن الشاعرات شائعات في المكسيك شيوع الشعراء.

ففي الكتاب ثلاث شاعرات أخريات غير إلسا كروس هن: فيرونيكا فولكو وهي شاعرة ذات جذور روسية وثورية معاً. ذلك أن جدّها لوالدها هو ليون تروتسكي البولشفي الروسي الشهير الذي نفاه ستالين خلال الصراع على السلطة ثم عاد وقتله في المكسيك بواسطة أحد أعوانه. والشاعرة الثانية اسمها مريم موسكونا وهي أيضاً من جذور أجنبية، فقد ولدت لعائلة مهاجرة من بلغاريا.أما الشاعرة الثالثة فاسمها إيلينا خوردانا وهي من أصول مكسيكية خالصة.

واستناداً إلى الشعر المترجم لهنّ تظهر فيرونيكا فولكو أكثرهن اهتماماً بأسئلة الحياة والوجود. فالكتاب ينشر لها قصيدة بعنوان «الموت» موضوعها غير مألوف كثيراً في شعر النساء. وفي القصيدة من الصور والرؤى ما يلفت النظر إلى ثقافة معمقة تنطوي عليها صاحبتها، ولذلك يحسن الإشارة إليها، كما تحسن توصية الشاعرات العربيات بتمثلها والنسج على منوالها. وهذا هو نص قصيدة فيرونيكا:

بقيتُ دون صوتك،

دون يديك، ودون عينيك

التي لها لون الليل وطعم الأحلام.

ربما كل حلم يقتلنا حين يشتعل

ويعيش علينا،

قوّتُه الواهية منفى.

الأيدي لا شواطئ لها،

والأقدام لا طرق لها،

والحرية لا مرفأ لها.

ولكن ربما نستطيع العيش تحت ظل،

ربما نعيش موتى في الأحلام.

الصورة هي الموت والرغبة،

والرغبة هي حياة الغبار.

ربما تكون نار أحلام تطير خارج ذواتها

مثل إيكارو على جناح حريقه.

ملاك يرحل باحثاً عن حياة.