بقلم - د. علي محمد فخرو

موضوع وسائل ومحتويات وتلاعبات وأخطار التواصل الاجتماعي أصبح أحد مواضيع الساعة بامتياز. قم بزيارة المكتبات في عواصم الغرب لترى عشرات عناوين الكتب، واستمع لبرامج مستجّدات تكنولوجيا التواصل الإلكتروني اليومية عبر محطات الإذاعات الغربية الناطقة باللغة العربية لتعرف أن موضوع التواصل الاجتماعي قد أصبح حديث الساعة الملتهب المختلف حول فوائده وأضراره حتى في أوطان الذين اخترعوا أدواته وبرامجه.

هناك كتابات وأحاديث الهلع والمبالغة من قبل البعض، وهناك نتائج الدراسات والأبحاث الموضوعية المقلقة من قبل البعض الآخر. ما تهمُّنا هي الصورة الثانية العلمية الموضوعية المنذرة بالأخطار القادمة، التي يجب إيصالها إلى وعي وعقول شابات وشباب أمة العرب.

نذكّر بأن أغلب الأوائل، من الذين اخترعوا وسائل الاتصالات الإلكترونية ووضعوا البرامج التي ستنظّم عمليّة وسائل الاتصالات تلك، أرادوها أن تحقّق هدفين: جعل المعلومات ونتائج المعرفة متيسّرة لكل البشر من جهة، وتيسير وتشجيع التواصل والتفاعل بتسامح فيما بين الأفراد والجماعات من جهة أخرى. تحقيق الهدفين كان سيتم فيما بين جهتين فقط: طالب ومطلوب، مرسل ومتلقٍ، فرد أو جماعة في مقابل فرد أو جماعة.

لم يكن في ذهن أولئك الأوائل إقحام جهة ثالثة لنفسها، لكي تخلق برامج ذهنية حسابية (ALGORITHMS) توجّه وتتلاعب بذلك التواصل والتفاعل الاجتماعي، وتقلب التواصل الاجتماعي في المحصّلة إلى وسيلة لتكديس ثروات مالية هائلة في أيادي قلة جشعة بصورة وأحجام وسرعات لم يعرف التاريخ لها مثيلاً قط.

الجهة الثالثة تلك، بمسمياتها المختلفة من مثل منصّات فيس بوك وتويتر وغوغل وواتساب وعشرات غيرها، اختصرت موضوعاً إنسانياً وحلماً مثالياً جميلاً في شعار انتهازي هو: اجمع كل معلومة تفصيلية عن أفكار ومشاعر وميول المتواصلين والمتفاعلين، ثم استعملها من خلال برنامج لوجرثمي حسابي معقّد وشديد الغموض لمعرفة المشترك فيما بين المتواصلين، ومن ثمّ قم بمحاولة تعديل تلك الأفكار والمشاعر والميول وتوجيهها الوجهة التي تريدها تلك الجهة الثالثة، وذلك حتى يسهل عليها تقديم المعلومات التي جمعتها وصنفتها بشأن الملايين من المتواصلين، تقديمها كبضاعة لمن يريد شراءها أو استئجارها من أجل مصالح ترويجيّة تجارية أواستخباراتية تجسسية أو تلاعبات انتخابيّة لمصلحة هذه الجهة أو تلك.

والنتيجة النهائيّة هي أن يقوم مستثمرو ومالكو تلك المنصّات التواصلية الإلكترونيّة باستثمار بضعة ملايين من الدولارات في البداية لينتهوا، خلال فترة وجيزة قياسيّة، بجمع ثروات تقدّر بمئات المليارات من الدولارات، وليصبحوا من بين علية القوم ومتخذي القرارات الوطنيّة العالميّة الكبرى.

وهكذا تصبح المعلومات الشخصيّة عن الملايين من الأفراد بضاعة تُباع وتشترى، لكي تجني قلة صغيرة من وراء جمعها وبيعها وتأجيرها البلايين من الدولارات، دون أن يستفيد على الإطلاق أيّ من أولئك الملايين من الأفراد لا مادياً ولا معنوياً. إنها سمة الاستغلال العولمي الجديد الذي قلب كل معلومة إلى سلعة.

تعديل التصرفات والسلوكيات الحيوانية والبشرية ليس بالجديد. فلقد بدأته وطوّرته العديد من مدارس علم النفس عبر القرنين الماضيين. وكان يستعمل في المختبرات والعيادات النفسيّة لدراسة أو علاج أوضاع فرديّة. أما في عصرنا الحالي فإنه يستعمل على نطاق واسع ليطبّق على الملايين، وذلك من قبل برامج وأفراد يقبعون وراء ستائر المنصّات التواصلية - التفاعلية التي يستعملها بلايين البشر دون أن يشعر هؤلاء بأنهم يحركون كالدُمى ويُوجهون كالخراف، من داخل حجرات مظلمة ومن قبل أشباح لا يعرفونهم.

إن الفضائح التي انفجرت موخراً في وجه العديد من المنصّات التواصلية هي فقط جزء صغير من رأس كتلة الجليد التي تقبع داخل هذا المحيط الاستغلالي المرعب.

السؤال الأساسي: كيف تستطيع تلك المنصّات للتواصل الاجتماعي القيام بكل ذلك؟

والجواب ببساطة هو من خلال البرنامج الحسابي - الذهني الذي ذكرنا من قبل. ما يهم البرنامج هو إبقاء الملايين مشدودة ومدمنة على استعمال المنصة التي يخدمها.

على سبيل المثال: لو أن البرنامج لاحظ أن لديك ميولاً غاضبة نابعة من اصطفافات وتعصبات طائفية أو قبلية أو إيديولوجية، ما على البرنامج إلا أن يرسل لك الرسائل، التي نشرها الغير، والتي تزيد من تأجيج ذلك الغضب أو من جعلك تنغمس في صراعات وعبثية الشتم والاستهزاء، حتى يقوم البرنامج من جديد بإرسال ما كتبته أو قلته إلى من يخالفونك الرأي ليحتدم النقاش، أو إلى من يتفق معك لتتكوّن كتلة يتعاضد ويتواصل أفرادها من خلال استعمال المنصة. وهكذا يزداد عدد المستعملين لمنصة فيس بوك أو تويتر أو غيرهما وتكبر كمية المعلومات والملفات التي ستبيعها الشركة المالكة للمنصّة لأية جهة راغبة في الشراء.

نفس دورة الحلقة السابقة يمكن تطبيقها من خلال إثارة البرنامج لمشاعر الفرح والحزن، أو الأمل واليأس، أو التسامح والتعصُّب، إلخ، مما لا حصر لها ولا عدّ. المهم هو الازدياد المستمر لعدد مستعملي منصة التواصل، وإدمانهم استعمالها، والتلاعب بميولهم وسلوكياتهم، وتصنيفها في صورة بضاعة قابلة للبيع، واستمرار تكدّس الثروات الهائلة في أيادي القلة المالكة للمنصة، وتعاظم نفود ومكانة هؤلاء في العالم كله، وانتقالهم إلى خلق مؤسسات رأسمالية ربحيّة من أمثال أمازون وأوبر، واحتكارهم لبحوث وتطوير صناعات من مثل الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات.

ما يهمنا هو أن يدرك جيل المستقبل العربي بأنهم مقبلون على أمواج هائلة من الكذب والتلاعب بغرائز وأفكار البشر والهيمنة على حرية الأفراد واستقلاليتهم الشخصيّة.

إنه مستقبل لن يرحم، وعليهم الاستعداد. مثلاً، هل عليهم إغلاق حساباتهم واشتراكاتهم في بعض المنصات المليئة بالفضائخ والانتقال إلى منصات أقل تلاعباً بإنسانية البشر؟

كاتب ومفكر بحريني