القاهرة - دويتشه فيلله:

بعد حجب مواقع إلكترونية، وتقييد حرية الرأي والتعبير، دخل قانونا "تنظيم الصحافة والإعلام" و"مكافحة الجرائم الإلكترونية" حيز التنفيذ في مصر، وتوصف هذه القوانين وغيرها من القوانين والممارسات بأنها تكمم الأفواه وتقمع حرية الرأي والتعبير، فما هي ملامح المشهد الحالي في المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي في مصر؟.

أحمد سمير، كاتب مصري شاب يعمل بالصحافة منذ أكثر من اثني عشر عاماً فاز خلالها بجائزة نقابة الصحفيين المصرية لأفضل مقال سياسي لعامي 2014 و2015 على التوالي، وجائزة مصطفى الحسيني لأفضل مقال صحفي لعام 2014.

حين بدأ حديثه، لم تخف الابتسامة الهادئة على وجه الكاتب الشاب الذي يتابعه الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي عما لديه من مخاوف، حيث يقول: القلق من حجب المواقع الصحفية بما يمنعك من الاقتراب من بعض القضايا، والخوف من أن يتم حبسك احتياطياً لسنة أو أكثر على ذمة قضية رأي بمثابة رعب حقيقي يُفقدك الشعور بالأمان.

حجب المواقع

لدى السلطات المصرية تاريخ طويل من المحاولات المتصاعدة لتقييد الحريات عبر الإنترنت، في 24 مايو 2017، بدأت مصر بحجب المواقع على نطاق واسع حتى وصل عدد المواقع المحجوبة إلى أكثر من 500 موقع، وفقاً لمؤسسة حرية التفكير والتعبير بالقاهرة، ووصل عدد الصحفيين المقبوض عليهم أكثر من ثلاثين، وفقاً لمنظمة مراسلون بلا حدود المعنية بحرية الصحافة في العالم.

ويذكر سمير أن المناخ العام حالياً أقل تسامحاً مع التعبير عن الرأي مقارنة بالفترة ما بين عامي 2005 و2014، لم تعد هناك محظورات سياسية فقط، بل واجتماعية أيضاً، ويتحدث عن سلسلة مقالاته عام 2012 لمناقشة الكبت لدى الشباب على موقع المصري اليوم، وهي واحدة من الصحف الأكثر انتشاراً في مصر، كنموذج لتقبل السُلطة والمؤسسات الصحفية والمجتمع تخطي الكثير من الخطوط الحمراء حينها، وها هي 2018 تقرب على الانتهاء ومصر تحتل المركز الـ 161 في حرية الصحافة، وفقاً لتقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" والذي حمل عنون كراهية الصحافة تُهدد الديمقراطيات.

شبح الحبس الاحتياطي

بتبدل الحال وتطبيق القوانين الجديدة، يقع كل موقع أو مدونة أو حساب شخصي على الإنترنت يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف شخص أو أكثر تحت طائلة قانون تنظيم الإعلام والعمل الصحفي، لكن حتى من قبل إصدار القانون، لدى سمير تخوف آخر حيث يقول: المشكلة الحقيقية هي إمكانية حبسي احتياطياً في حالة كوني مُتهماً وفقاً لنصوص أي قانون، وبالتالي تحول الحبس الاحتياطي للصحفي من مجرد إجراء احترازي لضمان المثول أمام النيابة أو المحكمة إلى عقوبة في حد ذاته لحين صدور حكم قضائي.

وتعُد قضية المصور الصحفي محمد أبو زيد، والمعروف بـ شوكان، مثالاً ساطعاً، حيث تم إلقاء القبض عليه أثناء تغطيته أحداث فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي عام 2013 وأمضى شوكان في الحبس الاحتياطي خمس سنوات لحين صدور الحكم القضائي ضده شهر سبتمبر الماضي، بعد حصوله مؤخراً على جائزة منظمة اليونسكو لحرية الصحافة. وأعربت وزارة الخارجية المصرية عن أسفها لقرار اليونسكو منح الجائزة لشوكان، واصفة إياه في بيان رسمي بالمتهم بارتكاب أعمال إرهابية وجرائم جنائية.

انعكاسات الخوف

تؤكد مُعطيات الواقع الإلكتروني والمعلوماتي المُتجدد باستمرار على ضرورة مواكبتها والعمل على ضبطها لحماية المؤسسات والأفراد من أية انتهاكات تقنية، إلا أن الخوف من تقييد قانوني تنظيم الإعلام ومكافحة الجريمة الإلكترونية للعمل الصحفي يتزايد، فمخالفة المواد المنصوص عليها في القانونين يترتب عليها الحبس أو الغرامة المالية أو الحجب.

ويوضح سمير الآثار التي تنتج عن حجب المواقع الإلكترونية قائلاً: يتسبب الحجب في توقف الإعلانات بما يؤدي بعد فترة قصيرة إلى غلق الموقع المحجوب وفقدان العاملين به لوظائفهم، وهو ما يضغط على الصحفيين العاملين بالسوق لوجود بديل متاح لهم.

ويأتي ضمن المواقع التي تم حجبها مواقع مصرية غير مُشتبه بوجود صلة لها بأي نشاط جنائي أو إرهابي، كموقع "البداية" والذي أسسه ورأس تحريره الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين المصرية السابق خالد البلشي مُعتمداً على توظيف عدد محدود من المحررين وعلى العمل التطوعي لضعف الإمكانات. ووفقاً لتصريحات صحفية سابقة للبلشي فإن عدم القدرة على زيارة الموقع من داخل مصر بسبب الحجب أدى إلى انخفاض عدد قرائه بشكل ملحوظ بما انعكس بشدة على عدد العاملين به فور وقوع الأزمة.

رقابة ذاتية

يزيد الخوف باتساع دائرة الاتهامات، فإمكانية تأويل بعض كلمات ونصوص القوانين الجديدة بأكثر من شكل تدفع الصحفي نحو فرض رقابة ذاتية على نفسه خوفاً من اتهامه بمخالفة القانون.

ويقول سمير: الخوف يمنع الصحفي من أداء وظيفته الرقابية لصالح المواطن، كما يؤدي لانخفاض جودة المحتوى الإعلامي لضعف المنافسة بين المؤسسات والمنصات الإعلامية المختلفة، ويجعل ظهور جيل جديد من الكتاب المُتخصصين في الشأن السياسي أمراً صعباً.

ومن خلال متابعته الدائمة للمحتوى المُقدم من خلال الإعلام الاجتماعي، يلاحظ سمير ابتعاداً تدريجياً للإنتاج الإبداعي عن السياسة، وميل الكثير من المُعالجات للتسطيح والنمطية والتكرار. ويسود على مواقع التواصل الاجتماعي شعور بالإحباط يدفع الكثيرين نحو جلد الذات والتشفي من المهزوم في مجالات متعددة وشيطنة أصحاب الرأي المختلف.

الحجب لـحماية المجتمع

على الجانب الآخر هناك وجهة نظر تبريرية حيث يؤكد د. عادل عبد المنعم، رئيس مجموعة تأمين المعلومات باتحاد الصناعات المصرية، على أن الغرض من إصدار قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية هو معالجة نوع جديد من الجرائم لم يكن موجودا من قبل بنصوص القانون المصري، ويشير إلى أنه لدى الدولة ما يكفي من النصوص القانونية التي تمكنها من اتخاذ إجراءات مُشددة ضد الصحفيين في حالة الرغبة في تكميم الأفواه مثل مواد قانون الإرهاب.

وأضاف أن القانون يسعى بالأساس لحماية أمن وخصوصية الأفراد ومؤسسات الدولة على حد سواء، والرغبة في ضبط الموقف هي ما يتسبب أحياناً في تشديد القاعدة التشريعية ثم ترك مساحة التقدير فيما بعد للقضاء لدى تطبيق القانون.

ويرى عبد المنعم أن سعي الإعلام لتحقيق السبق الصحفي يأتي أحياناً على حساب صحة المعلومات ودقتها، ففي ظل التدفق الهائل للمعلومات على مدار الساعة، تنتشر يومياً عشرات الشائعات التي يمس بعضها الدولة ومؤسساتها بما يستنزف طاقاتها ويؤذي مشاعر المواطن وربما يُحدث بلبة.