بقلم : شيخة السبيعي ..

عندما كنت في المرحلة الإعدادية في الصف التاسع تحديداً، طلبت منا معلمة اللغة العربية كتابة نص سردي «قصة» من بديع صنعنا، ثم عرضت علينا المعلمة مجموعة عناوين كنوع من الإلهام؛ فقبضت مفكرتي الصغيرة وكتبت بخط عريض «لقاءٌ ليته لم يكن» تأهباً لخوض معركة سردية كانت تجول في رأسي لفترة ليست بقصيرة، ورغم أني كنت أكره اللغات كثيراً إلا أن الكتابة كانت النافذة الوحيدة التي لا تنكسر أبداً مهما علا صوتي أمامها. قلمي الرصاص لم يأب إلا أن يكون ذلك المستمع الجيد الذي لا يقاطع ويواصل العطاء مهما بلغ كسره. الورقة البيضاء لا تخون، ولا تحوّر فيما يقع عليها منذ عهدتها؛ فهي تحفظ كلماتي كلٌّ في محله. عدا أنني لم أحب المحبرة يوماً، تلك التي لا تغفر.

أذكر أني عدت إلى المنزل ذلك اليوم متلهفةً لكتابة نصي الأدبي الأول. أسرعت بحل واجب الفيزياء التي لم أجرؤ قط على فهمها رغم تقدير الامتياز وتجاهلت ورقة الرحلة التي احتفظت بها في جيب سترتي السوداء؛ فقد كان لدي معركة وجب عليّ النصرَ فيها.

وأخيراً صفحة بيضاء، قلم رصاص باهت كنت أحمله بين أناملي، مازلت أتذكر كيف كانت أنفاسي تكاد تنقطع عند النهاية المخيفة التي حكمت بها على أبطال قصتي. كانت هذه أول محاولة لي لجعل شيء من مخيلتي يحط واقعاً.

فور ما أنهيت القصة أسرعت إلى أمي أريها ما كتبت، لست أنسى الإعجاب الذي أظهرته حيال نصي الأدبي الأول؛ فلطالما كانت أمي المحفز الأول وأحيانا الوحيد لي في هذا الكون الواسع.

في صبيحة الْيَوْمَ التالي وبينما كنت أرتّب كتبي استعداداً لأول ثلاث حصص دراسية دخلت الطالبات مسرعات كُلن يبحث عمن يلهمه لكتابة قصة قصيرة في غضون ثوانٍ قبل مجيء المعلمة، لا أتذكر عدد الطالبات اللاتي صمدتُ أمامهن ضامة كتابي إلى صدري رافضة استنساخ مجهودي الفكري.

أنظر إلى الساعة، إنها السابعة وعشر دقائق، لقد تأخرت المعلمة أم أن حماسي سبقها وربما سبقني أنا أيضاً وحينما حاولت اللحاق به سقط شيء من نصي أرضاً ولم اكترث له.

وأخيراً أقبلت معلمة اللغة العربية. كانت الرجفة قد غلبت كامل جسدي وكنت أول طالبة تبادر برفع يدها لقراءة نصها الأدبي في حين أن نصف الفصل جاء بأوراق بيضاء لا حروف فيها بحجة «نسيت».

وقفتُ متصلبةً وبكل فخر بدأت اقرأ قصتي. صوتي مرتعش والكتاب يهتز بين يدي كفراشة أبت ألا تثبت حتى انتهاء قصتي، كنت قد اتخذت من الكتاب درعاً لإخفاء الورقة التي تمزقت أطرافها عندما حملني خيالي إلى منصة محمود درويش ومكتبة غسان كنفاني ودواوين مي زيادة.

نصٌّ طويل، بخط يد لا يفهمه إلا صاحبه، وبينما كنت أقرأ القصة كانت الأحداث تمر علي كفيلم سينمائي متكامل، أنا من كتبه، أنا من يمثله وأنا المخرج.

وما إن أنهيت النص إلا وبصوت المعلمة وبنبرة حادة وحاجبين مقطبين «غيرها».