بقلم : عبد الجليل شرفاوي ..

في خِضم هذه الحياة التي نحيا بين ظهرانيها، ونعيش في ثناياها، تغلِبُ علينا في أحايين كثيرة طبائع وخيمة وسيّئة تجعلنا نتحلّى بأخلاق سمِجة وذميمة، تُنفّر الناس منا وتجفلُ كل الخلائق من صفاتنا التي يكون سببها تعطيل وبطلان القلب الخالص والصافي الذي تجرّدنا منه وتخلّينا عنه برغبة جامحة منا، ولم يضع أحدٌ كائناً من كان على رقابنا سيوفاً أو مناشير لكي نسمح في دماثة طِباعنا السجيّة التي وُلدنا بها، حيث تركنا ذلك بمحض إرادتنا ومن تلقاء أنفسنا، حتى صارت قلوبنا وأفئدتنا تركنُ وتَخلدُ إلى الضغينة كأننا جُبلنا على هذه الصفات الدنيئة والنقيصة حيث تطبّعنا عليها دونما أن نشعر أو نحسّ بأنها تسرّبت وتغلغلت فينا رويداً رويدا.

إذا تدبّرنا ملياً نجد أنفسنا أننا نمر بين الفَينة والأخرى بأزمات قلبية، ليست صحيّة وإنّما اجتماعية وأخلاقية، وهذا نِتاج نقضنا وإلغائنا للقلب الخالص من الشوائب والأحقاد الدفينة والجليّة ـ وهذا شيء طبيعي وعادي، فحين تتقي خير الأمور فإنك تميل نحو ما هو شرٌ وخبيث. ولنا في واقعة نيوزيلاندا الأخيرة خير دليل وبرهان على هذا، حيث رأينا جميعاً تلك الضغناء والبغضاء وهي تنهمر من فوّهة السلاح الفتّاك الذي كان يأتزره الإرهابي الذي دوّن اسمه بحبرٍ من دم مغدور في فهرس الإرهاب بفعلته الشنيعة، تلك التي ندّد وشجب بها فقط ذوو الأفئدة النقية التي تمجّ الكرهَ وتمقته، أما الذين يحملون غِلظة وفضاضة في قلوبهم فلم يتحرّك فيهم ساكنٌ البتة.

إنّ ما يجعل الإنسان أحياناً يفقد إنسانيته ويقنط منها هو انسلاخه فجأة من آدميته، حيث يَظهر ويُبعث فجأة إنسان آخر من صُلبه وهو الذي كان يترقّب الفرصة بصبرٍ ماكر وخادع، كي يخرج إلى حيّز الوجود وكلُّه غِلّ وشرٌ مُستطير يؤذي الناس ويلحق الضرر بهم بواسطة القلب الذي انقلب من الوداعة واللطافة إلى الأذيّة والإساءة.

كثيرٌ من الناس عطّل ونقضَ القلب الوديع الذي كان يحمله واستبدله بآخر قاسٍ وفظ، حتى صار الناس من حوله يبتعدون عنه قدر الإمكان والمستطاع، ولا يقتربون منه بسبب هذا الانقلاب الفُجائي الذي جاء دون سابق إنذار، فأصبح يمشي فوق الأرض خُبثاً وكُرهاً وأضحى يبغض جميع المخلوقات البشرية التي تتقاسم معه هواء هذه البسيطة.

الأدهى أن هناك بعض الناس يكرهون أشخاصاً بشكل مجاني دونما داعٍ أو سبب، فبمجرّد أن يمرّ الآخر من أمامهم حتى ينبسون ببنت شفتهم قائلين إن هذا الغيّر لا يُطيقونه بتاتاً ولا يستحملونه، وحينما تسألهم باستغراب هل تعرفونه؟ هل تسبّب لكم في مكروه؟، يجيبونك بغرابة لا نظير لها بأنهم يبغضونه هكذا ولا باعث في ذلك أو حجّة، كأن الطبيعة البشرية التي خُلق عليها الإنسان تقرّ بذلك، رغم أن سليقة بني آدم وفِطرته جُبلت على المحبّة والوُد، لكن ما تسبّب في بزوغ طباع العدوانية عند بعض الناس هو احتكاكهم مع الآخرين من ذوي القلوب المريضة والحاقدة التي لا تعرف سوى الكراهية والعداوة.

إن إبطال القيم الخلّاقة وتعويضها بقيم أخرى فاسدة من شأنها أن تنتج لنا جيلاً قبيحاً وسمجاً، يؤمن فقط بالعنف، حتى صارت القلوب كالحجارة أو أشدّ قسوة، حيث صار الناس يتعاملون فيما بينهم بنوع من الصلابة التي تؤدّي في آخر المطاف نحو انهيار القيم السامية والعالية، ما يؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه لكل ما هو رخيص ودنيء، لنصبح في عالم تسوده الأحقاد والضغائن، كما يعمّه الرياء والنفاق، وقد سأل أبو حيان التوحيدي أبي المتيم الصوفي فقال له ، كيف حالك مع فلان؟، قال نتداوى بالرياء إلى أن يفرّج الله.

 

Abdeljalilcherfaoui88@gmail.com