كتب - نشأت أمين:

أكد فضيلة د. محمود عبدالعزيز أن العفة خلق إيماني رفيع وثمرة من ثمار الإيمان بالله تعالى وهي دعوة إلى البعد عن سفاسف الأمور وخدش المروءة والحياء، مُضيفاً أن العفة لذة وانتصار على النفس والشهوات وتقوية لها على التمسك بالأفعال الجميلة وهي تنزيه للنفس وضبطُها عن السير وراءَ الشهوات، والكفُّ عن المحرماتِ وسؤال الناس على وجه الاستجداء.

وأوضح د. محمود أن الشريعة الإسلامية تحضّ المسلمين بقوة على التحلي بالعفة مستشهداً بقول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز «وَمَن كانَ غنِيًّا فَليستَعفف».

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم »عفوا تعف نساؤكم»، وقوله عليه الصلاة والسلام: « ما يكونُ عندي من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم، ومن يستعففْ يُعِفّه اللهُ».

أنواع العفة

وأضاف: العفة أنواع أولها: عفة الجوارح وبها يعف المسلم يده ورجله وعينه وأذنه وفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كل مسلم أن يعف نفسه ويحفظ فرجه حتى يتيسر له الزواج، فقال تعالى: «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله».

ومن أنواعها أيضاً: العفة في كسب المال من خلال الترفع عن أموال الصدقات. وفي الحديث مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها».

وقال إن من أنواع العفة أيضاً اجتناب الكسب الحرام والقناعة والترفع عمّا في أيدي الناس كما أن منها العفة عن الوقوع في الفاحشة وذلك بالابتعاد عن النظر إلى العورات ومظاهر الفتنة وعدم حضور مجالس الاختلاط المحرم.

نيل رضا الله

ولفت إلى أن للعفة آثاراً على المسلم، مُشيراً إلى أن منها: نيل رضا الله تعالى والفوز بثوابه ، ضبط المسلم لنفسه، تحقيق المروءة وعزة النفس وكرامة الإنسان، صيانة العرض والشرف، نيل محبة الناس.

وأشار د. محمود عبدالعزيز إلى أحد أبرز المواقف التي تدل على العفة، مضيفاً أن المولى عز وجل أمر المسلمين بالعفة وضرب لنا مثلاً في ذلك في شخص نبي الله يوسف عليه السلام الذي فضل السجن بدلاً من يقع في محارم الله رغم الضغوط الشديدة التي تعرض لها،حيث قال تعالى: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ».

ضبط السلوكيات

وأكد أن العفة، تضبط سلوكيات الآدميين عن الانحراف إلى مهاوي الرذيلة والانحطاط، وتحفظ إراداتهم وشهواتهم عن الانخراط في الزلل وعدم الانضباط مضيفاً: لقد حرص الإسلام على أن ينأى بالناس عن الشهوات الحيوانية، والأخلاق الشيطانية، لأن النفس بطبيعتها كثيرة التقلب والتلون، تؤثر فيها المؤثرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، وهي أمارة بالسوء، تسير بصاحبها إلى الشر، فإن لم تُستوقف عند حدها، وتلجم بلجام التقوى والخوف من الله، وإلا فإنها داعية لكل شر وهوى ومعصية.

تهذيب النفس

وقال د. محمود: النفس بطبيعتها إذا أُطعمت طعمت، وإذا فوضتَ إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت إليها الأمر فسدت، والعفة تأتي لتهذيب النفس وتزكيتها من أهوائها وشهواتها، لتتجلى فيها مظاهر الكرامة الإنسانية، وتبدو فيها الطهارة والنزاهة الإيمانية.

وتطرق إلى عوامل تحقيق العفة، مشيراً إلى أن منها: تحقيق الإيمان الذي يُنشئ مملكة الضمير في نفس المؤمن فيستحضر الخوف والحياء وتذكّر الآخرة واستشعار عظمة الله موضحاً أن ذلك يكون باعثاً على قمع الشهوة في النفس ودرئها عن تجاوز الحد.

وأشار إلى أن من عوامل تحقيقها أيضاً: التربية الروحية من صبر ومجاهدة في ذات الله جلّ وعلا، بدوام الصلة بالله تعالى من ذكر ودعاء وتضرع وتبتل والتجاء إليه، وقراءة للقرآن الكريم بتدبر وتأمل مع الفهم لمعانيه والتعقّل لأسراره وحكمه.

تربية النفس

وقال د. محمود عبدالعزيز إن من عوامل تحقيق العفة: تربية النفس بالصوم فإنه مما يعين على زكاة القلب، وطهارة النفس، وبه تنحصر وتضيق مجاري الشيطان وقد قال صلى الله عليه وسلم« يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

وحثّ على توعية الجيل المسلم بتعزيز المنافع والمصالح التي تنشئ العفة والتزام أمر الله عز وجل في الحياة اليومية، مع بيان الآثار السلبية النفسية والاجتماعية والعقلية والروحية للنشء لكل من سلك طريقاً غير طريق العفة.

التقرب إلى الله

ودعا إلى التقرب إلى الله سبحانه بالنوافل بعد الحرص العظيم على الالتزام بالواجبات والوقوف الجازم عند الحدود والفرائض وأن يطالع القلب أسماءَ الله وصفاته وأفعاله التي يشهدها ويعرفها ويتقلّب في رياضها، فمن عرف الله وحده بأفعاله وصفاته باعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ومن بعدهم من سلف الأمة الأخيار من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه هداه وأعانه وسدد على الخير خطاه.

وتحدث د. محمود عن ثمرات العفة لافتاً إلى أن منها: تحقيق المروءة التي ينال بها الحمد والمجد والشرف في الدنيا والآخرة التي تقود إلى الارتقاء في سماء الفضيلة، والبعد عن حضيض الرذيلة، والوقوف بالشهوات عند الحد الذي خلقت من أجله، وفق المنظور الشرعي، والمفهوم الأخلاقي ، كذلك نقاء المجتمع وطهارته من المفاسد والمآثم والرزايا والمصائب والعقوبات الربانية وسلامته من أضرار الخبث والفواحش.

الفوز بالجنة

وقال إن من ثمرات العفة أيضاً الفلاح بثناء الله تعالى والفوز بالجنة والنعيم المقيم في الآخرة وكذلك حفظ الفروج عن الفواحش مما تزكو به النفوس، وتسلم به المجتمعات، ويحفظ به الأمن، وتصان به الأعراض والسلامة والنجاة من نار السموم، وقوة القلب ونعيمه وطيب النفس وانشراح الصدر فصاحبها مستريح النفس مطمئن البال.

ونبّه إلى هناك أسباباً لضياع العفة منها: تسخير الإعلام بأنواعه لبث ما يثير مكامن الشهوة ويخمر العقل ويفسد الروح مما يفسد على الناس عفتهم ويضعفها وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتساهل فيه وعدم الاهتمام به والرفع من شأنه وكذلك وضع المعوقات أمام الشباب الذي يرغب في الزواج من خلال المغالاة في المهور واشتراط التكاليف الباهظة للحياة الزوجية والمبالغة في اشتراط المؤهلات العلمية والمكانة الاجتماعية العالية.