بقلم / د. خالد التيجاني النور- كاتب وصحفي سوداني:

لم يكن حتى أكثر الناس تشاؤماً يتوقع أن تجد الثورة السودانية الثالثة بكل عنفوانها والتضحيات الجسام التي قدمها الجيل الجديد من الجنسين في كل أصقاع السودان، والتي تفوقت بكل المقاييس على ثورتي أكتوبر 1964، وأبريل 1985 السابقتين اللتين أطاحتا بنظامين عسكريين، تجد نفسها بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على سقوط نظام البشير، وقد اختطفت أحلامها في التغيير الجذري الشامل ومناداتها بتأسيس نظام سياسي سوداني جديد يحقق مطالبها بالحرية والسلام والعدالة، وقد أصبحت نهباً لصراع بائس على السلطة بين أطراف النظام السياسي السوداني القديم بشقيه المدني والعسكري، تستعيد فيه على حد سواء النمط ذاته من الذهنية السياسية الانتهازية التي عجزت على مدار أكثر من ستة عقود من الدولة الوطنية، ونحو قرن من نشأة الحركة السياسية، أن تقود البلاد لتحقيق مشروع وطني جامع قادر على تحقيق مطالب التغيير التي يرفعها الشباب اليوم.

فعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر ظلت تدور مفاوضات «الباب الدوار» بين المجلس العسكري الانتقالي وائتلاف قوى الحرية والتغيير، الذي يهيمن عليه تحالفا «قوى الإجماع الوطني» و»نداء السودان» ويضمان غالب القوى السياسية المعارضة والحركات المسلحة، للاتفاق على ترتيبات ومهام وهياكل وتشكيلات الفترة الانتقالية المفترض أن تمهّد لإجراء انتخابات عامة يقرر فيه الشعب مستقبله السياسي، ووسط حالة من الشد والجذب جرت عشرات الجولات من التفاوض بين الطرفين، لتنتهي جميعها إلى مصير واحد، ما إن يتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بينهما وتزدحم الشوارع بمظاهر الفرح لا يلبث إلا فترة قليلة ويفجع الناس بأحد الطرفين يتراجع عما تم الاتفاق عليه، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، لتبدأ محاولة جديدة، وتكرّرت هذه الظاهرة مرات عديدة، حتى دبّ اليأس في نفوس الثوار، وبرزت الأسئلة الصعبة عن حقيقة ما يجري في الكواليس، وعن مصير ثورتهم المجيدة.

أما الطبقة السياسية السودانية القديمة، التي وثق فيها الجيل الجديد الثائر وأحسن بها الظن حتى فوّضها لتنوب عنه في قيادة الثورة التي أشعلوها حتى كللت تضحياتهم بإسقاط النظام، ظناً بأن معارضتها وتجربتها السياسية ومعايشتها لإخفاقات التجربتين الانتقاليتين السابقتين اللتين تميزتا بالهشاشة بعد إسقاط نظامي عبّود ونميري، ستكون خير معين لها في التعلّم من أخطاء الماضي، وضمان عدم تكراره، وبأنها ستكون أمينة في تحمّل مسؤولية التعبير السياسي عن روح الثورة وتحويل شعاراتها إلى واقع جديد يتأسس على مطالبها في التغيير الشامل، فقد أثبتت أنها لم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً، فقد غاب عنها حتى الإحساس أن الثورة السودانية الثالثة حملت مضامين أكثر عمقاً.

فهي ليست نتاج معارضة سياسية لنظام شمولي فحسب، بل أفرزها حراك اجتماعي أكثر عمقاً من واقع أن قلبها وروحها هم جيل الشباب الذي يمثّل أكثر من ثلثي سكان البلاد، فضلاً عن الدور المحوري شديد الأهمية الذي لعبته الشابات على وجه الخصوص، وكانت قمة المفارقة أن غاب الشباب من الجنسين عن تمثيل عادل لهم في فرق التفاوض التي شكّلتها قوى الحرية والتغيير التي سيطر عليها ممثلو الطبقة السياسية القديمة ذاتها التي ظلت تهيمن على الحياة السياسية في السودان لأكثر من نصف قرن، لذلك كانت المفاوضات مشدودة بتصفية حسابات صراعات الماضي أكثر من عنايتها ببذل الجهد لوضع أسس المستقبل الذي يتطلع إليه الجيل الناهض.

ويتحمل المسؤولية في عجز الطبقة السياسية القديمة عن تمثّل روح هذه الثورة وتحقيق تطلعاتها الطرفان، المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير على حد سواء، فقد أثبت العسكريون المتشبثون بالسلطة، بعد هذا الحراك الذي استهدف إنهاء أطول الأنظمة العسكرية مكوثاً في السلطة، أن الجيش الذي حكم البلاد لاثنين وخمسين عاماً من خلال ثلاثة انقلابات أنه جزء من هذه الطبقة السياسية المعطوبة لم تهدِ سنوات الأنظمة الشمولية التي أسستها انقلاباته البلاد مشروعاً وطنياً يُخرِج السودان من الدوران في فلك الأزمة المستدامة التي أرهقته بالحروب الأهلية والصراعات، وبدلاً من أن يترجم ما يصف به تدخله من أنه انحياز للثورة والتغيير، وأن يقتصر دوره على أن يكون وسيطاً عابراً يسّهل عملية الانتقال إلى نظام ديمقراطي جديد، تحوّلت أجندته تدريجياً ليصر على لعب دور شريك فاعل في السلطة خلال الفترة الانتقالية، ومن يعلم ما وراءها أيضاً، وقد انخرط متخلياً عن دوره ليكون حكماً في لعبة الصراع على السلطة عن طريق تحريك حملات لصناعة حاضنة اجتماعية له من القوى القبلية والتقليدية، ليضع بذلك المزيد من التعقيدات على ترتيبات الفترة الانتقالية، ليصبح بذلك طرفاً في الصراع السياسي، وليؤكد إصرار القوى المسلحة على الاحتفاظ بدور الحزب السياسي الأقوى في البلاد.

أما قوى الحرية والتغيير التي كانت بادئ الأمر تبدو في دور المتصدية لطموحات العسكريين الساعين بقوة للاحتفاظ بالسلطة، بالتأكيد على هدف تحقيق الانتقال الكامل لحكم مدني، سرعان ما أثبتت أن هذا الخيط الواهي الذي راهنت عليه لم يكن أكثر من مناورة بقصد تعظيم مكاسبها الحزبية، وليس الانتصار لإرادة الثوار المنادين بمدنية السلطة في الفترة الانتقالية، لتتراجع أمام ضغوط العسكريين، وتوافق على الدخول في مساومات لعقد صفقات ثنائية لاقتسام السلطة، دون أدنى اعتبار لمطالب التغيير الشامل الذي تنادي به الثورة، في إعادة للسيناريو ذاته الذي طبع تكتيكات النظام السابق في لعبة المفاوضات الثنائية، وعقد الصفقات مع الخصوم السياسيين لاقتسام السلطة والثروة، وهو ما فجّر هذه المرة صراعاً ليس بينها وبين المجلس العسكري، بل في داخلها بين مكوناتها المختلفة التي تنادى كل منها يبحث عن نصيبه وموقعه من التسوية المنتظرة، لتضعف تماسكها وتتهدد وحدتها، مما يصب بالضرورة في صالح المجلس العسكري الذي يقف متفرجاً على تنازع الطبقة السياسية ليقطف الثمرة وحده.

أما ثالثة الأثافي فقد أدى العجز الذاتي وضعف الإرادة الوطنية لدى الطرفين الباحثين عن نصيبهما من كيكة السلطة إلى استدعاء تدخل دولي وإقليمي غير مسبوق في الشأن السوداني، حيث أصبحت الأطراف السودانية غير قادرة على التفاوض المباشر بينها إلا بوجود وسطاء من الخارج، وزاد الطين بلة أن مكونات الحرية والتغيير لم تعد تسعها عاصمة بلادها فهاجرت إلى إثيوبيا تبحث عن حلول لمأزقها خارج الحدود، فهل ثار السودانيون لتحصد ثمار ثورتهم الأجندة الخارجية؟!.

 

 

khalidtigani@gmail.com