بقلم : طـــه خـلـيفـة (كاتب وصحفي مصري) ..

بعد البيان الأخير المُشترك بين قطر، والاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بخصوص إقامة مونديال 2022 بمشاركة 32 منتخباً، والتخلي عن فكرة زيادة عدد المنتخبات إلى 48، وترحيلها للتنفيذ في البطولة التالية 2026 في أمريكا وكندا والمكسيك فإن آخر نقطة كانت معلقة بشأن البطولة العالميّة التي تستضيفها قطر بجدارة قد حُسمت بشكل نهائي وقاطع.

قطعت جهيزة قول كل خطيب، فلم يعد هناك مجال لأي موضوع آخر يمكن طرحه أو مناقشته في مسيرة مونديال العرب الحلم.

والعدّ التنازلي للموعد المضروب مع التاريخ يتواصل ويسير في طريقه الطبيعي المرسوم له بعناية فائقة.

البيان جاء صدمة جديدة على البعض ممن كانوا يتمنون تعثر قافلة المونديال، كما أصابهم بمزيد من الإحباط جراء إخفاق محاولاتهم وحملاتهم للتأثير على إقامة البطولة في قطر، والتشكيك الخبيث في جدارتها بشرف الاستضافة التاريخيّة.

هناك من كان ينتظر من «فيفا» خبراً آخر له مضمون آخر، لكن هذا الانتظار لم يصل بهم طوال سنوات إلى شيء مما كانوا يُخططون له، بل أثبتت الأحداث المتتالية نصاعة الملف ونزاهة التنافس وأحقية الفوز بتنظيم البطولة.

اليوم، لم تعد هناك ذرة شك في أن مونديال قطر لقطر، 2022 هو عام قطر، منذ إشراقة أول صباح في 2022 حتى غروب شمس آخر أيامه هو عام كأس العالم في قطر، كأس العرب، كأس الحالمين بكتابة اسم بلد عربي في قائمة شرف احتضان البطولة الأغلى والأعلى في عالم كرة القدم، إنها أيام قطر، أيام لن تُنسى.

عمر البطولة الكرويّة العالميّة يقترب من العام التسعين، وحتى يوم التصويت في 2010 على استضافة دورة 2022 لم يكن قد فاز بهذا الشرف أي بلد عربي أو مسلم رغم محاولات سابقة لعدد من الدول، وكأن العرب والمسلمين ينتمون إلى عالم آخر يفتقد القدرة على المنافسة في هذا المضمار، حتى فعلتها قطر قبل تسع سنوات لتؤكّد عدم وجود المستحيل مع توفّر الإرادة والتصميم، وتبرهن على أن العرب والمسلمين جديرون بتنظيم البطولة الكرويّة الكبرى.

ورغم مرور سنوات على اقتناص الفرصة بملف بديع فلا يزال السؤال مطروحاً: كيف فعلتها قطر؟.

ببساطة لأنها أرادت، قالت: نحن نستطيع، لم تصنع قطر عُقدة وتقول إن هذا الملعب حكر على البلدان الكبرى في كرة القدم، أو في الوزن الدولي، وتظل أسيرة للعقدة الوهميّة، ولأنها تجاسرت وخاضت النزال بكل ما أُوتيت من قوة وقدرة وعقل وحركة وتخطيط وتدبير وتكاتف وتضامن وعمل ودأب فإن فوزها كان ثمرة مستحقة له معنى ونكهة وقيمة خاصّة ومميّزة.

مهما كان حجمك، موقعك، مقدرتك، حدودك، مساحتك، سكانك، مناخك، مهما كان أي شيء، وكل شيء في جغرافيتك وتاريخك، فإنك إن تعاملت مع هذه المنظومة باستسلام ويأس وإحباط ورضا بما أنت عليه فلن تتقدّم للأمام، لكن إذا تجاهلت ما تتخيل أنه مثبطات واعتبرت نفسك كبيراً وعظيماً ومهماً ومؤثراً وقادراً ومنافساً ومصمماً على إزاحة كل من يتواجد في الحلبة مهما كانت قوته وقدرته واسمه ورسمه وكينونته فثق أن النجاح المؤكّد هو حليفك، وأن قيمة انتصارك ستكون مضاعفة.

نجاح البلدان الكبرى المتمرسة لن يثير دهشة، ولا توقفاً طويلاً أمامه، لكن نجاح من ينخرط في سباق القوة والقدرة والخطة والرؤية بعزم وثبات سيكون مدهشاً حقاً، وسيكون الوقوف أمامه طويلاً ومديداً وعميقاً، وسيقول عنه التاريخ ما لم يقله عن الآخرين لأنه يسطر صفحة فريدة في كتاب التحدي بصعوده على خشبة الكبار نداً لهم.

في مرحلة البناء والنهوض والتحديث تمضي قطر بثبات، لا تنظر وراءها، ولا تتلفت حولها، ولا تتقوقع في ذاتها، ولا تبحث عن حائط غير حائطها تستند عليه، ولا تسلم أوراقها لأخ أكبر يرتبه لها، أو يقرّر أي ورقة تبقيها، وأيها تلغيها، وبأيها تبدأ، أو يحدّد لها متى تتحرّك، وأين تتوقف، وتقف مع من، ولصالح من، بل هي من تمتلك حصرياً أوراقها كلها في يديها وترتبها وتحرّكها كيفما تشاء وفق أهدافها وسياساتها ومصالحها.

قطر تجاوزت نهائياً سؤال الاستضافة، كما تجاوزت سؤال القدرة على التنظيم، إلى السؤال الأهم اليوم وهو: ما هو الإبداع المُنتظر في التنظيم؟، وماذا عن المفاجآت المخبأة في الجعبة القطرية السحرية في إسعاد المليارات من سكان الأرض؟.

الاستعدادات تجري على قدم وساق، والملاعب تتجهز، ومن استاد خليفة إلى استاد الجنوب اللذين تم افتتاحهما رسمياً، إلى ستة استادات أخرى يجري العمل فيها حالياً، فإن ورشة كأس العالم من منشآت رياضيّة ومرافق خدميّة وبنية تحتيّة تتواصل ليلاً ونهاراً من أجل الوعد 2022.

مرة أخرى يجب إبعاد الرياضة عن السياسة، وعلى العرب جميعاً أن يكونوا سعداء بكتابة بلد منهم للتاريخ، وانطلاق إشعاعات المونديال من عاصمة عربيّة، من الدوحة التي ستكون عاصمة العالم الكرويّة لمدة شهر كامل.

جفّت الأقلام، وطويت الصحف في أي حديث مُتهافت أو تشكيك مُتساقط يتعلق بالمونديال القطري العربي، فقد تمّ تجاوز كل صنوف التآمر واليوم المُنتظر بات أقرب مما كان.

          tmyal66@hotmail.com