بقلم - صالح الأشقر:

تعود معرفة الإنسان بالبترول إلى أزمنة بعيدة من التاريخ ومع ذلك لا تزال طرق البحث والكشف عن البترول معقدة حتى الآن ولكنها أخذت تختلف في بعض وسائلها وأساليبها من منطقة إلى أخرى وخاصة بين البر والبحر وبين السهول والمرتفعات والعديد من العوامل المختلفة على سطح الأرض.

وتتطلب عمليات الحفر والاستخراج للبترول سواء كان نفطا أو غازا نفقات طائلة رغم التطورات الهائلة التي شهدتها تكنولوجيا عمليات استخراج البترول منذ عشرات السنين والتي قطعت هذه الطرق في التطور التكنولوجي شوطا بعيد المدى في إجراء المسوحات العلمية المختلفة مثل المسح السيزمي أو المغناطيسي أو الكهربي أو الجيولوجي وغيرها براً وبحراً وجواً إضافة إلى التقدم الذي واكب هذه العمليات ومنها التقدم باستخدام الحاسبات الآلية التخصصية.

وتجدر الإشارة إلى أن جميع طرق الكشف المتاحة حتى الآن لا تستطيع أن تجزم بوجود تجمعات بترولية في مسام الصخور الرسوبية الأولية أو الثانوية في منطقة معينة حيث توجد هذه التجمعات مع مواد أخرى أهمها المياه الجوفية وأنواع شتى من الشوائب وعلى هذا لا يشغل البترول مائة في المائة من حجم المسامية المتاحة في المصائد البترولية سواء كانت تركيبية أم ترسيبية.

ومن المعروف أن سرعة انتشار الموجات السيزمية تبلغ نحو"55 قدما/ ثانية" في الرواسب الفتاتية وترتفع إلى أكثر من "23 قدما"/ ثانية/ في بعض الصخور النارية وبذلك يسهل تحديد عمق الحوض الرسوبي وشكله برسم خريطة صخور القاعدة التي تتراكم عليها الصخور الرسوبية.

ومن جهة أخرى فإن كمية البترول الموجودة في طبقة صخرية ما قد لا تمثل غالبا إلا جزءا صغيرا من الحجم الكلي للطبقة الحاملة للبترول كما أن طبيعة التشبع البترولي في مسام الطبقات الرسوبية يسمح بقابلية عالية لاستخراج كمية معينة من البترول.. بينما توجد كمية أخرى ملتصقة بأسطح الحبيبات المكونة للصخور التصاقا قد يكون كيميائيا ولا يمكن استخراجها إلا بإجراء عمليات عالية التكلفة لتغيير خصائص ذلك الالتصاق.

ومن منطلق التقنيات الحالية في مجال استخراج البترول لابد من التأكيد على أنه لا توجد مناطق محددة أو صخور معينة أو أعماق متقاربة أو عصور جيولوجية محددة يوجد فيها البترول وإن كنا نعرف أن البترول قد تكوّن واختزن واحتجز في طبقات تتراوح أعمارها التكوينية بين حقبة الحياة العتيقة والعصور البعيدة لحقبة الحياة المتوسطة.

والمعروف أن الاستكشاف والإنتاج البترولي شهد تطورا هائلا في كميات الإنتاج ومن ثم يتطلب العثور على البترول دراسة عميقة لطبقات الصخور تحت سطح الأرض وتراكيبها الجيولوجية بحثا عن الأحواض الرسوبية والمكامن البترولية المحتملة فيها سواء على اليابسة أو تحت سطح البحر بل وتحت الجليد في شمال الكرة الأرضية وجنوبها.

ويتطلب التنقيب عن البترول استثمارات مادية كبيرة ومستمرة وخبرات تكنولوجية متطورة لخطط الاستكشاف وتكامل عناصر تعدين البترول وصناعته بهدف التنقيب الواضح إلى البحث عن مكامن تجمع البترول باستخدام مختلف أنواع المسح والكشف جوياً وأرضياً وجوفياً ويعتبر الرشح البترولي مؤشراً إيجابياً لتحديد أغلب مناطق التنقيب إلى جانب البحث عن البـترول في مصائد بنائية أرضية معينة كالطيات المحدبة والقباب أو التلال المحدبة الصغيرة.

وتشمل تقنيات المسح الجيولوجي الطبقي الذي تستخدم فيه أدوات الاستشعار عن بعد كالصور الجوية الرادارية والتصوير بالأقمار الصناعية إلى جانب الدراسات الميدانية بهدف تحديد العناصر الجيولوجية الرئيسية في مناطق معينة وأنواع صخورها وامتدادها السطحي وتراكيبها المتنوعة وتقدير احتمالات تكون البترول في طبقات رسوبية معينة وترتيب أعماقها وسمك الطبقات الخازنة المحتملة وبعض خصائص المصائد البترولية.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة المسح الجيوفيزيائي باستخدام الطرق السيزمية والجاذبية والمغناطيسية والمقاومة الكهربية والاستقطاب المستحث والجهد الذاتي والإشعاع الإلكترومغناطيسي لتحديد أهم الخواص الطبيعية للصخور مثل الكثافة والمسامية والمرونة والسعة الكهربية والصفات المغناطيسية.

وباستكمال الدراسات الكيميائية للصخور يمكن معرفة مدى احتوائها على المواد العضوية المولدة للبترول وكذا تعريف مؤشرات وجود خزانات بترولية كبرى مثل وجود صخور مسامية ترتفع بها نسبة الكربونات وتتحلل موادها بسرعة تحت تأثير عوامل التجوية الكيميائية من رطوبة وجفاف وتجوية عضوية بصفة خاصة. ومن خلال المسح الجيولوجي الطبقي كانت البداية الحقيقية لدخول عالم تجارة البترول عندما تم اكتشاف أول بئر للبترول في الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية فرجينيا عام 1806 وتم حفر أول بئر متكاملة في مدينة "تيتوس فيل" بولاية بنسلفانيا وتلا ذلك اكتشاف أول حقل بترولي بدون البدء بشواهد الرشح وبالاعتماد على الدراسات الجيولوجية الميدانية في مقاطعة "كوشينج" في أوكلاهوما الأمريكية.

ومن خلال الحفر في طية محدبة أوائل القرن العشرين الماضي وذلك عندما كانت مناطق التنقيب هي التي تظهر فيها شواهد بترولية مثل البقع "البتيومينية" وتسربات الغازات وبعض الصخور الأسفلتية التي تكشفها عوامل التعرية.

وبتطور تكنولوجيات التنقيب عن البترول يجري حاليا قياس المغناطيسية الأرضية عن طريق المسح الجوي الذي يتيح تغطية مساحات كبيرة والوصول إلى مناطق صعبة طوبوغرافيا والتي لا يسهل استخدام طرق النقل الأخرى فيها.

ويعتبر التصوير الطيفي بالأقمار الصناعية ومنها سلسلة "لاند سات" التي أطلق أولها عام 1972 من أحدث طرق المسح الجيولوجي استخدمت صور أقمار لاند سات لحوض "أناداركو بازين" الممتد بين ولايتي أوكلاهوما وتكساس لتحديد 59 حقلا بتروليا منتجاً كما استخدمت صور "لاند سات" في خمسة حقول في العالم العربي هي حقل الغوار السعودي وحقل البرقان الكويتي وحقل بوزرغان العراقي وحقل المسلة الليبي وحقل البرمة التونسي لدراسة ثروات الأرض المعدنية والبترولية والتي يمكن بواسطتها تحديد مناطق تسرب البترول إلى السطح وأماكن الصدوع والطيات.

كاتب قطري