بقلم : رائد حمزة مقداد ..

العوالم الافتراضية التي أضحت اليوم تحيط بعالمنا، وتمتص كل ما فيه لتحوّله إلى أرقام وصور، وأصبحت العلاقات بين البشر افتراضية، والعملات افتراضية، والبورصة افتراضية، والشركات افتراضية، والمناسبات أيضاً افتراضية، ولكن ماذا يحدث عند الخط الفاصل بين الحياة الحقيقي والعالم الافتراضي؟ العالم الافتراضِي سلاح ذو حدّين، بين ربط المجتمع بعضه ببعض وبين تمزيق المجتمع وتفككه وعزلة أفراده.

إن الربط بين أفراد في مختلف بقاع الأرض كأنهم في مكان وزمان واحد هذا هو الجانب المشرق من العالم، أما جانبه المعتم فهو تمزيق أفراد العائلة الواحدة والمجتمع الواحد حيث تجدهم مجتمعين في غرفة واحدة وعلى طاولة طعام واحدة وكل فرد غارق في جهازه يطلب من أخيه بجانبه ويحدثه عبر العالم الافتراضي، وهذا العالم أثر سلباً على بهجة مناسباتنا وحياتنا اليومية وبعض البيوت أصبحت خاوية على عروشها، وسكانها صامتون أينما ذهبوا ذهب معهم العالم الافتراضي على الطعام، وفي الزيارات وفي بيوت العزاء والأفراح بات العالم الافتراضي يجسدنا وتحمل أرواحنا حولنا أجساد خاوية من الروح والمشاعر قديماً كنا نجتمع على مائدة طعام واحدة نجتمع داخل منزل واحد كبيرنا وصغيرنا نساء وفتيات ننتظر مدفع الإفطار على شاشة التلفاز أو في الهواء الطلق ليعلن لنا موعد الإفطار وكانت البسمة والمشاعر الصادقة تعم المكان وضحكات الأطفال تطفي على الجو بهجة وفرحة غير طبيعية.

ومع غزو العالم الافتراضي لنا بكافة وسائله بات التواصل بين الأفراد في الأفراح والأحزان عبر وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي فقد انقطع الابن عن والديه والصديق عن أصدقائه حتى في حال الاجتماعات في مكان واحد تواصله عبر العالم الافتراضي فقد ظهرت لنا حاسة وقطعة في الجسم جديدة للتواصل تربطنا ببعضنا البعض.

إن هذا العالم الذي غزانا بخيره وشره قلصنا خيره وحذفنا ما به من خير وجعلناه خلف ظهورنا وأخذنا سيئه وما يضرنا منه. كل سنة يزورنا ضيف عزيز علينا يحمل لنا الخير والمسرات والأفراح والأجر العظيم ويحثنا على التقرب من بعضنا، إنه شهر رمضان، إنه بات قريباً منا بيننا وبينه أيام معدودات ويحل علينا باليُمن والحب والمسرات لنخرج في هذا الشهر من العالم الافتراضي ونعود لعالمنا الحقيقي ومشاعرنا الصادقة وقلوبنا النقية لتعود بيوتنا تملؤها الاجتماعات والمسرات والضحكات بالفرح لنجاهد أنفسنا ونغلق هواتفنا إلا للتواصل في حال الطوارئ ونجتمع بحب وخير وسلام، الزوج يضع لقمة هنية في فم زوجته بحب وحنان والزوجة تضع لقمة طيبة في فم أبنائها بصحة وهناء والبيت الواحد يجتمع فيه الأب والابن والجد والأحفاد ببسمة وحب وفرح، والسفرة تتلون بالأطعمة الشهية التي أخلصت أيدٍ في صنعها لتعم البسمة في الاجتماع وتعم البركات في المكان لنترك السلاح الضار الذي فتك بمجتمعنا ومزّقه فبات الأب لا يحدث ابنه إلا عبر العالم الافتراضي وهو قريب منه والأم تحدث ابنتها عبر العالم الافتراضي حتى عجائز الزمن الجميل فقد غزاهم العالم الافتراضي ودخلوه وعزل بعضهم البعض. ليكن رمضان هذه السنة «غير» ونجتمع معاً على خير.