بقلم : أماني إسماعيل علي ..

(وخير جليس في الزمان كتابُ) كما قال المتنبي، لأنه نديم كريم، ورفيق أمين، لا يفشي لك سراً، ولا يعصي لك أمراً، إن دنوت منه سعدت، وإن فارقته ندمت، يشرح الصدر، ويبعد الكدر، مأمون العثرات، وخالٍ من الهفوات، متنزه للعقول، ومتنفس للصدور، يحيي القلب، ويشحذ الذهن، يعطي ولا يأخذ، ويفيد ولا يستفيد، وقد قال الشاعر أبو الحسن علي بن عبدالعزيز الجرجاني:

ما تطعمت لذة العيش حتى

صرت للبيت والكتاب جليسا

و قال أحمد شوقي:

أنا من بدل بالكتب الصحابا

لم أجد لي وافياً إلا الكتابا

وقال الجاحظ في وصف الكتاب: (الكتاب نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل). لا أبالغ أبداً إن قلت أن المتعة التي ستشعر بها حين تقرأ بشغف، لا توازيها أي متعة، سيأخذك كتاب إلى العصور الغابرة، فترى حالهم وأحوالهم، وتجالس العلماء والأدباء والمفكرين، ويعيدك كتاب آخر إلى العصر الحديث، فتتعرف على العلوم والآداب، وترافق المكتشفين والمبدعين، ثم ينقلك كتاب آخر إلى المستقبل، فتقرأ عن الاختراعات التي ستجعل الحياة مختلفة، فأي متعة تضاهي السفر إلى الماضي، ومعايشة الحاضر، و الانتقال إلى المستقبل؟

عندما كنت على مقاعد الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، كان الكثير من الطلبة الجامعيين يقرؤون قبل بدء المحاضرة، وخلال وقت تناول الغداء، حتى أني كنت أسمعهم يسألون رفقاءهم: هل انتهيت من قراءة الكتاب الفلاني؟ وما رأيك فيه؟، وكان بعضهم يجيب: نعم قرأته، وقرأت كتاباً آخر أوصيك بقراءته. اجعل الكتاب رفيقك الدائم الذي لا يفارقك، ولا تجعله حبيس المنزل، ضع كتاباً في السيارة، واقرأه كلما سنحت لك الفرصة؛ في أي مكان وكل مكان، ألا ترى الأقوام الأخرى يقرؤون في الأماكن العامة، والمتنزهات، والمطاعم، وحتى المستشفيات كبارهم وصغارهم؟ القراءة ليست محصورة بمكان معين كالمكتبة أو المنزل فقط، أظهر كتابك أمام العامة كما تظهر هاتفك النقال، وانهل من المعرفة، ولا تلتفت لمن يقول: يتظاهر بأنه مثقف، لا تخجل من التباهي بصديقك الصدوق الذي يفيدك دون مقابل. أخيراً، من اتخذ الكتاب صاحباً في الحل والترحال، انتفع وارتفع، ومن ظن نفسه في غنى عنه، فقد حرم عقله من غذائه، والإكثار من الغذاء مضر، إلا غذاء العقل لا ضرر من الإكثار منه.