بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

في الوقت الذي يُثار فيه جدلٌ واسعٌ حول تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رئاسة الاتحاد الإفريقي، يجيءُ القرار الأكثر إثارةً لمجلس السلم والأمن الإفريقي في بيانه بأنّه إذا لم يسلّم المجلس العسكري الذي عزل الرئيس عمر البشير السلطة للمدنيين ضمن المهلة المحددة، فسيعلّق الاتحاد الإفريقي مشاركة السودان في كافة أنشطته إلى حين عودة النظام الدستوري. وكان المجلس قد أمهل المجلس العسكري 15 يوماً، ثم حدّد 60 يوماً إضافية.

تسلّم الرئيس المصري رئاسة الاتحاد من الرئيس الرواندى بول كاجامي، بدايات هذا العام 2019. وأثير جدلٌ مشابه من قبل عندما تولاها روبرت موجابي رئيس زيمبابوي حينها. وما يجعل هذه الترشيحات متعارضة مع رمزية الاتحاد الإفريقي، الفكرة التي بناها الآباء المؤسسون بعد حركات التحرر الإفريقية؛ نظراً لما يحمله الملف الشخصي للرئيسين والمثقل بانتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على المواطنين وكبت حرية التعبير.

منذ بداية الألفية الأخيرة والاتحاد الإفريقي تواجهه تحدياتٌ تتفاقمُ يوماً بعد يوم، لأنّ جذور هذه المشاكل تنغرس عميقاً في تاريخ القارة السمراء. فالديكتاتورية والحروب أنتجت الإرهاب، والتطرف والفساد وأبقت على الفقر والأوبئة والأميّة. استوجب ذلك وضع جدول أعمال يتجاوز إمكانيات الاتحاد الإفريقي الذي يحتاج هو نفسه إلى إصلاحات مؤسسية وإجراءات فاعلة لإخراج العمل الإفريقي المشترك من قاعات المؤتمرات والشعارات إلى برنامج عمل واقعي يأخذ بيد الشعوب الإفريقية لتواكب متطلبات العصر ومقتضيات العولمة. وقبل ذلك يحتاج الاتحاد الإفريقي إلى حلّ المشكلة الاقتصادية الاستراتيجية التي قد تعصف بهذه الوحدة المفترضة، فعلى سبيل المثال يتضاءل حجم التبادل التجاري بين الدول الإفريقية لصالح دول أخرى. يوجد في إفريقيا ثماني مناطق تجارة إقليمية، لا تضم الواحدة فيها من بين عضويتها أكثر من نصف دول القارة. وهذا يسلط الضوء على عبارة الاستعمار الجديد مرة أخرى وهي من ضمن العبارات التي كان يستخدمها بعض القادة الأفارقة مثل نكروما، وغيرها من العبارات التي قصدت إلى ضرورة الوحدة ونبذ التبعية. وذلك بالنظر إلى الثروات والموارد التي أسّست للتبعية الاقتصادية لدول الشرق والغرب في ظل انعدام سوق إفريقية مشتركة، مما يُعدُّ فشلاً ذريعاً لمنظمة يتجاوز عمرها نصف قرن من الزمان.

نظّمت مصر واستضافت في نهاية العام المنصرم معرض التجارة البينية الإفريقى، كما انعقدت اجتماعات «أسبوع الاتحاد الإفريقى للقانون» بحضور 40 دولة إفريقية، حيث ركّزت المناقشات على قانون البحار والعمل على حل النزاعات البحرية، والمياه، والطاقة. كما ناقشت اتفاقيات الاتحاد الإفريقي وكيفية تطبيقها بالشكل الأمثل وتوطينها لتعتبر جزءاً من القوانين الداخلية للدول نظراً للمشكلات التي تعتري بعض التطبيقات للاتفاقيات من قبل بعض الدول الأعضاء إما بسبب قلة الخبرات أو عدم معرفة بعض الدول بشكل جيد لفوائد الاتفاقيات التي تم اعتمادها.

وما يثير القلق هو تعليق السفيرة نميرة نجم المستشار القانوني للاتحاد الإفريقي بأنّ تولي مصر لرئاسة الاتحاد الإفريقي سيكون وفقاً لأولويات الحكومة المصرية. فمساواة الحكومة مع الدولة مؤشّر خطير على سلب مؤسساتها السيادية بواسطة النظام. وإذا كانت أجندة الاتحاد تُعنى بالسلم والأمن في إفريقيا والزراعة والصحة، فما يمكن أن تقدمه مصر على الطاولة سيكون أجندة النظام الخاصة متقدمةً على أجندة الاتحاد الإفريقي وعلى تحقيق الأجندة التنموية 2063، خاصة مع ضعف حماس السيسي للدفاع عن هذه الإصلاحات التي تم طرحها بداية العام الماضي 2018. وبالأخص أنّ أهم المطالب بالإصلاح تهدف إلى ضمان الاستقلالية المالية للمنظمة لإعطائها وسائل امتلاك استقلاليتها السياسية. فالراجح أنّ السيسي لن يعمل على الدفع قُدماً بهذه الإصلاحات، هذا إن لم يوقفها وقد وجد التربة خصبة لتنفيذ سياساته الداخلية على المنظمة، كما أنّه سيتيح الفرصة للقوى الدولية لمواصلة عرقلتها لقيام الاتحاد الإفريقي بدوره المنوط به في إيجاد حل للنزاعات وحفظ السلام، وذلك لتأمين نفوذها التقليدي في القارة ومصالحها الاستراتيجية في إفريقيا.

وبناءً على واقع البرامج في مجالات حفظ السلام والصحة والتعليم التي يتم تمويلها من الخارج من شركاء الاتحاد الإفريقي، فيمكن الوقوف عند الكيفية التي سيتمكّن بها من فعل ذلك، بتنفيذ مبادئه وسياساته وهو عاجز عن وضع برامجه ولا يقوم بتمويلها. فمنذ تكونه عام 2002 كبديل لمنظمة الوحدة الإفريقية التي تأسست منذ 1963م، عانى الاتحاد الإفريقي من نفس الشتات والانقسامات السياسية التي تعاني منها دول القارة التي يحمل اسمها، والاعتماد على الخارج حال كل المنظمات الإقليمية.

الشيء الآخر أنّ مصر السيسي هي من ضمن البلدان الإفريقية المتحفظة على منح الاتحاد الإفريقي القدرة على اتخاذ قرارات بدلاً عنها، وعن منح مفوضية الاتحاد الإفريقي أي سلطات وجزء من السيادة بل تعتبرها تلك البلدان موجودة لتنفّذ مقرراتها. وهذا التحفّظ هو تعبير عن الاستياء بسبب تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي لفترة عام بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في 2013. وكي لا ننسى فإنّ الاتحاد الإفريقي الذي جمّد عضوية مصر بعد الانقلاب، استعاض عن وجوده بتكوين لجنة عالية المستوى لمتابعة تطورات الشأن المصري، تم تشكيلها واستلام مهامها يوم 8 يوليو/ تموز، أي بعد ثلاثة أيام فقط من الانقلاب، ثم أعاده بعد عام واحد.

يلزمنا التفريق بين الدولة والنظام في مصر، ووفقاً لذلك فمصر تستحق هذه الرئاسة لعدة مقومات هي: أنّ أمر الهوية في مصر محسوم لصالح الشمال الإفريقي بدون تعقيدات القبلية التي تزعزع إفريقيا جنوب الصحراء. وهذه الميزة بشكلٍ عام هي ما جعلت مصر لا تغشاها أمراض العصبية ولا العنصرية إلّا في عهد السيسي أو بما يُمارس ضد النوبة في جنوب مصر.

كما أنّ هناك الموقع الجيوسياسي المهم والفاعل الرابط بين ثلاث قارات، وإذا كانت دول القارة الإفريقية هي أشد حاجة إلى الاتحاد والتعاون الداخلي خاصة في جانبه الاقتصادي، فإنّ موقع مصر المشرف على دول أخرى عديدة ومنافذ بحرية وتجارية مهمة مثل قناة السويس سيمنح الاتحاد قوة قد تغيّر توازنات التعامل التجاري المستنزف لموارد القارة إلى تعاون لصالحها.

ومن المقومات أيضاً، الإرث الحضاري والتاريخي الذي يثبت إفريقانية مصر قبل الهجرات العربية والأوروبية، فالتاريخ المصري هو أقدم تاريخ مخطوط في المحيط الإفريقي، كما أنّ حضارتها سبقت تشكيل حضارات أخرى في مختلف أنحاء القارة.

كل هذه المقومات كانت ستكون عناصر نجاح لرئاسة مصر للاتحاد الإفريقي لو كانت تحت حكم ديمقراطي. ولكن نظراً لأنّها الآن تحت حكم جنرال ليس بينه وبين الجنرالات الأفارقة كبير فرق فإنّ انسجامه معهم سيكون وارداً، فهذه المنظمة الإفريقية تحوي أكبر عدد من الأعضاء هم في الأساس جنرالات أتوا إلى حكم شعوبهم إثر انقلابات عسكرية، وتكوين حكومات فاسدة لزعماء يهدرون موارد بلدانهم ويتركون شعوبهم غارقة في الفقر والمرض والجوع والحروب.

وهذا البيان كان من شأنه أن يكون قويّاً ومنطقياً لو لم يحبس الاتحاد الإفريقي نفسه في ادعاءات ديمقراطية، بينما واقع إدارته شيءٌ آخر. على الاتحاد الإفريقي أن يخلع رداء الحماس عن قضية الإصلاحات والنكوص عن العتق من التبعية، لأنّه يحبس نفسه في أتون ممارساته في سياسات دوله الداخلية حسبما تقتضيه اتجاهات رياح المصالح الغربية. وبهذا فإنّه لن يفعل سوى تحويل أزمات القارة إلى عالمٍ يدور في فلك هذه المصالح.