لندن - بي بي سي:  شهدت الحرب العالمية الأولى، التي يحتفل العالم بمرور مئة عام على نهايتها، معارك طاحنة بين ملايين البشر، وكان هناك آلاف الإخوة والأشقاء يقاتلون دفاعاً عن بلدانهم، لكن عائلة ثوماس وإليزا قدّمت تضحية استثنائية ودفعت بأبنائها الثمانية للمشاركة في القتال. وفقدت العائلة ابناً واحداً فقط لقى حتفه في إحدى المعارك على الجبهة الفرنسية، والمثير أن جميع الأبناء تطوعوا بإرادتهم للمشاركة في الحرب.

ودفع هذا الموقف النادر المجلس الخاص ببريطانيا (المجلس الاستشاري الخاص بالملك)، إلى إرسال خطاب باسم الملك جورج الخامس عام 1915، لتقديم الشكر للعائلة على تضحياتها وتقديم أبنائها للدفاع عن المملكة والمشاركة في الحرب، وجاء في الخطاب الذي وقعه أمين المجلس أن الملك استمع باهتمام كبير عن تضحيات الإخوة الثمانية. وأضاف: بناءً على توصية ملكية أود أن أنقل لكم تهنئة الملك والتأكيد على أن جلالته يقدّر كثيراً الروح الوطنية التي تتجسّد في هذا النموذج، من عائلة واحدة، للتضحية والولاء لصاحب الجلالة والإمبراطورية.

وتم الاحتفاظ بالرسالة الملكية ووضعها في إطار مع صور الأشقاء الثمانية، وتوارثتها أجيال العائلة التي تقيم في برمنجهام.

وقال جون جونز، 76 عاماً، الذي تزوج من ريتا حفيدة إليزا وثوماس الكبرى، إن مشاركة ثمانية أشقاء في الحرب في وقت واحد تمثل حالة فريدة ورائعة، تطوعوا جميعاً بإرادتهم في القتال، إنه شيء مذهل.

أوقات صعبة للأبوين

وكان الأب ثوماس جون إيفرتون، مواليد 1851، قد تزوج من إليزا وأنجب منها 10 أبناء (ثمانية ذكور واثنين من الإناث)، وبعد فترة قررا الانتقال من منطقة رسيستيرشير إلى برمنجهام بحثاً عن فرصة عمل أفضل، لكن الوظائف كانت شحيحة ومرّا بأوقات صعبة، وفي عام 1881، اضطرت إليزا للإقامة في دار رعاية أحداث مع خمسة من أطفالها، بعد طردهم من منزلهم وفشل الزوج في توفير مأوى أو مصدر دخل للعائلة.

 

 ولم يمر وقت طويل حتى اجتمع شمل العائلة مرة أخرى، بعد استلام ثوماس وظيفة جديدة في مجلس مدينة برمنجهام، كعامل في تمهيد الطرق وحصل أيضاً على منزل في بوردسلاى جرين. واستقرّت أوضاع العائلة حتى صيف عام 1914، عندما أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4 أغسطس.

تلبية نداء التعبئة

كانت البلاد في حاجة لتجهيز جيش ضخم، وأعلن وزير الحربية اللورد كيتشنر، التعبئة العامة ووجّه نداءً مباشراً إلى رجال بريطانيا للانضمام إلى الجيش.

 وكانت العائلة مهتمة بالمشاركة في المجهود الحربي، وقرّر الأبناء الثمانية، والذين تراوحت أعمارهم بين 20 و43 عاماً، الانخراط في القتال والتطوع في الجيش.

ورغم زواج اثنين منهم ألفريد وفرانسيس، إلا أنهما قرّرا ترك زوجتيهما وعائلتيهما الصغيرة والذهاب إلى القتال. وتفرق الأشقاء الثمانية في جبهات مختلفة وشاركوا جميعاً في الخطوط الأمامية وشهدوا المعارك.

وكان فرانسيس، الذي عرف بعد ذلك باسم فريدريك، قد تزوج قبل الحرب بأربعة أشهر في أبريل 1914، وأرسل من على جبهة القتال في فرنسا بطاقة بريدية إلى زوجته جيرترود عليها منديل من الحرير مطرز عليه رسمة فراشة، وكتب رسالة عاطفية بقلم الرصاص للزوجة لكنها تلاشت مع الزمن لسوء الحظ..

مقتل أحد الأبناء

وبعد 30 شهراً من الحرب أصابت العائلة أول فاجعة، عندما تم إبلاغها بمقتل ثاني أكبر الأبناء ثوماس وليام، وعمره 38 عاماً، ولقي حتفه في 25 سبتمبر 1915، أثناء المشاركة في معركة “باتل أوف لووس” على الجبهة الغربية في فرنسا.

 وبعد عدة أشهر، في يونيو 1916، حصل فريدريك على إجازة 14 يوماً، بعد وفاة ابنته ليليان، التي لم تتجاوز 21 شهراً فقط، وبعد انتهاء الحرب عاد بقية الإخوة إلى عائلاتهم، وحصلوا على تكريم لمشاركتهم في الدفاع عن بلدهم وما قدّموه لها. وقال جونز عن عودة الأبطال : لابد أنهم كُرموا كنجوم في المجتمع.

عائلة إيفرتون (الإخوة والأخوات)

ألفريد: مواليد 1871، تزوج وأنجب ثلاثة أبناء (ولد وبنتين)، خدم في مدفعية الميدان الملكية، تطوع في أغسطس 1914، حصل على ثلاث ميداليات لشجاعته.

روزينا: ولدت في 1875.

ثوماس وليام: مواليد 1877. خدم في فوج وارويكشاير الملكي بدرجة وكيل عريف، قُتل في معركة لووس بفرنسا في 25 سبتمبر 1915، وكان مجنداً من قبل في شمال إفريقيا عام 1897، وحصل على خمس ميداليات حرب، ومدفون في مقابر الكومنولث في فرنسا.

 

فرانسيس فريدريك: مواليد 1879، خدم في مدفعية جاريسون الملكية، تزوج جيرتراد جريفيث، في 2 مايو 1914، ترك الجيش في فبراير 1919 وحصل على ثلاث ميداليات حرب، توفى عام 1949.

إدوين تشارلز: مواليد 1880، خدم كعريف في فوج بيركشير الملكي، تجند في يوليو 1915، وأنهى الخدمة في أغسطس 1918، وحصل على أربع ميداليات.

 

فريدريك آرثر: مواليد 1886، خدم كرقيب في سلاح المهندسين الملكي، انتهت خدمته في مارس 1919 وحصل على ثلاث ميداليات.

إليزا الابنة: ولدت في 1888، وحصلت على اسم والدتها.

ألبرت: مواليد 1991، خدم كمدفعي في فوج ورسيسترشير، تطوع في أغسطس 1916، وأصيب بطلقة في إحدى المعارك، وترك الخدمة في يونيو 1917، وحصل على ثلاث ميداليات.

هوارد: مواليد 1892، خدم في كتيبة مشاة دوق كورنوال الخفيفة، ثم بعد ذلك كعريف في حاملي البنادق الملكية من دبلن، تجند في أغسطس 1914، حتى فبراير 1919 وخرج بأربع ميداليات.

جورج: مواليد 1894، خدم في فوج مانشستر، تطوع في مايو 1914 وخرج من الخدمة مع أربع ميداليات.

الفخر بصمت

وقالت ليندا ويزي حفيدة فريدريك إيفرتون إنها تتخيل أجدادها وإنهم كانوا يفخرون بصمت، لكن في الوقت ذاته هناك حقيقة أنهم كانوا يمرون بأشياء كثيرة ويعانون في كل يوم من أيام الحرب. وأضافت: أتذكر أيضاً اطلاعي على هذه الوثائق في عدة مناسبات عندما كنت طفلة، لذلك فقد كانت شيئاً يدعو للفخر، لقد أرادوا أن تظل دائماً ذكرى خدمتهم لبلادهم وللملك حاضرة.

ومثل الكثير من الجنود الذين عادوا من الخطوط الأمامية للقتال، لم يتحدث أبداً فرانسيس فريدريك إيفرتون، عن الرعب الذي عاشه وتحمّله أثناء الحرب، وعاش خلال الحرب العالمية الثانية ليرى إحدى بناته، جوان، تمر بتجربة ومعاناة ذهاب خطيبها إلى الحرب.

 وتتذكر ليندا زياراتها إلى جدها فريدريك، كل يوم سبت، بصحبة والدتها جيرترود روز. وتقول عن جدها: كان رجلاً هادئاً ومتحفّظاً، لكنه كان دائماً هناك كل سبت. وتؤكد على أنها كانت تهتم دائماً بتاريخ جدها الكبير وإخوته.

 وتضيف: والدتي قالت إنه كان رجلاً شجاعاً جداً وشديد الصرامة، وهو أمر كان معتاداً في هذا الوقت على ما أعتقد، وظلت العائلة تحتفظ بالمنزل القديم عبر الأجيال، وتقول ليندا إنها تتذكر دائماً رائحة اليانسون فيه، كما تتذكر أيضاً الكنز الدفين وهو رف جانبي مليء بالأنتيكات الزجاجية، وتختم حديثها: أخذت بعض هذه الكنوز لنفسي وغالباً ما تذكرني بمنزل العائلة.