بقلم - عبد الكريم البليخ - النمسا

يعتقد الكثيرون أنَّ الأعمال التي يقوم بها الإخوة العرب المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية في حال سفرهم إليها بسيطة وسهلة، وهذا اعتقاد خاطئ. إنّ الأعمال التي يقومون بها فيها الكثيرُ من الخشونة والصعوبة البالغة بسبب الفترة الطويلة التي يقضيها ربّ الأسرة خارج منزله ما أدّى بالتالي إلى نشوب الكثير من النزاعات والمشكلات داخل الأسر العربية بصورةٍ خاصة، وصحيح أيضًا أنَّ هناك سهولة في التعامل مع طبيعة العمل، وفي تشوّق كبير للقيام بأي عمل كان، لأنه فيه الكثير من الاستسهال، قياسًا ببعض الأعمال التي يقوم بها إخواننا في البلاد العربية. فالأعمال التي يقوم بها الإخوة العرب، في الولايات الأمريكية تُشابه إلى حدٍ بعيد الأعمال التي يُمارسها إخوانهم العرب في الولايات الأخرى، وهذه الأعمال في مجملها تتصدرها السوبر ماركت أو ما تعرف «بالكروسريات»، ومحطّات الوقود، ومحال الألبسة والمطاعم، ولكل واحدة منها مزيّة خاصة بها، وأكثر ما تشتمل على ساعات العمل الطويلة المُملة!.

إنّ الوقت الذي يقضيه العامل العربي في المحال التي يعمل فيها تتجاوز في أحايين كثيرة اثنتَي عشرة ساعة عمل متواصلة، وعليه التقيُّد بها مهما كانت ظروفه قاسية، وهذا الكلام ينسحب على أصحاب ومالكي المحال التجارية وشركائهم، الذين يقضون جلَّ وقتهم في مواقع عملهم خلال فترة المحددة في مكان تواجد محالهم.

وقد اشتكت في إحدى المرات إحدى زوجات أصحاب هذه المحال إلى بعض رجال الدين، وخطباء المساجد عارضة عليهم مشكلتها، وملخصها: أنَّ زوجها وطوال فترة الأسبوع لا يمكن لها أن تلتقي به، أو تعجز عن أن تراه أو يرى أبناءه إلاّ في ساعة متأخرة من اليوم، وفي اليوم التالي يذهب إلى عمله مبكرًا، وهكذا دواليك. وتطلب من الشيوخ الأفاضل توجيه الأزواج، إلى التوقّف عن العمل، وليوم واحد في الأسبوع أقلّها، حتى يتسنى له أن يُمارس دوره في الحياة تجاه أسرته، وأن يلبّي احتياجاتها، والاستئناس بها، بدلًا من ضياع الوقت، وهو بعيد عنها طوال فترة أيام الأسبوع، وبدون توقف، وهذا ما خلق فجوة بين الأبناء ووالدهم، وسدّ طريق التواصل والتراحم، ولجم دور الأب، وأرخى بظلاله عليه وإلغاء - إلى حد ما - دوره الرئيس حيال أولاده وزوجته وبيته، وما هو سوى آلة تُدار من وقت إلى آخر وهكذا دواليك!، وبالفعل، استعرض أحد المشايخ هذه المشكلة الاجتماعية التي تعاني منها أغلب الزوجات العربيات في أمريكا. وسبق أن سمعت بأن أحدهم، توقف، ولمدة أسبوع واحد عن العمل، إلّا أنه لم يستطع إكمال برنامج العطلة الأسبوعية التي كان من المقرر الالتزام بها، وإن كان ذلك يجمع مع أعزّ شيء في حياته، أهل بيته، حتى عاد الكرّة والالتزام في عمله ضاربًا عرض الحائط بالتعليمات الجديدة، فكيف ذلك بالنسبة لغيرهم من غير المتزوّجين!

هذه المشكلة، دَرَجت في الولايات المتحدة بصورةٍ خاصة، على أن العطلة الأسبوعية فيها الكثير من الصعوبة والأخذ بها، وخاصة أصحاب المحال التجارية، ومنهم من استمرّ في مواصلة عمله دون توقّف، وندرة من أخذ بها وقام بتخصيص يوم راحة يلتفتُ فيه إلى أبنائه وزوجته، يُراعي فيه مصالحهم ويشعرهم بوجوده، وبحنان الأب المفقود الذي يعيش معهم، بالاسم فقط، ولكن العمل والوقت أخذا كل ما عنده من حصص يدفع بها إلى أسرته التي تنتظر قدومه وبفارغ الصبر.