بقلم : سليم عزوز(كاتب وصحفي مصري) ..

لا تقوم ثورتان في جيل واحد. هذا ما قضى به عباس محمود العقاد في كتابه عن زعيم الأمة سعد زغلول!

ورغم أنني لا أميل كثيراً للمقولات المعلبة، إلا أنني مؤمن بما قاله العقاد، وهو يتحدث عن حالة الاستسلام التي أعقبت هزيمة الثورة العرابية، والتي شارك فيها سعد زغلول شاباً، قبل أن ينصرف لحاله ولتكوين نفسه، وقد شجع الأفكار المعارضة ودعم أصحابها، وإن لم يشارك في الفعل السياسي، إلى أن جاء الوقت المناسب، فقاد حركة الجماهير كهلاً، وفي ثورة ممتدة، حققت نجاحاً متدرجاً، قبل أن تواجه بالثورة المضادة في يوليو سنة 1952، على يد الانقلاب العسكري!

التسليم بمقولة العقاد، وإن بدا باعثاً على التشاؤم، إلا أنه أمر مهم، لتصفية النفوس من عملية الشحن المتواصل، الذي ينتج يأساً وإحباطاً، كما أنه مهم لمنع اليأس من السيطرة على النفوس، كلما فشلت عملية التوافق بين قوى الثورة ليعود الثوار كما كانوا أمة واحدة، وعلى أساس أنه يمكن «تخليق الثورة» في المعامل ليتحقق لها النجاح، كما يُنهي الآمال العريضة التي تعلق على المعتقلين، وكأننا قدمناهم أسرى، إلى حين أن تندلع الثورة فتحررهم، وكأن شرط اندلاعها أن يكون هناك معتقلون في السجون.

في كل مرة تبدأ الدعوة فيها للتوافق، ثم تفشل، يدب الإحباط في نفوس من يرون أنه لا ثورة إلا بجلوس «الثوار السابقين» على مائدة «الأخوة الصادقة»، وهو أمر لن يتحقق حتى يلج الجمل في سم الخياط، لأن ثمن القبول بالتوافق سيكون باهظاً، على من يمارسون النضال الموسمي، وهم يدركون أن الحاكم العسكري لن يتسامح في هذا، ولأجل هذا يحرص الثوار المتقاعدون على التأكيد قبل الأكل وبعده أنهم لن يجمعهم بالإخوان جامع أبداً.

الأمر سيختلف بطبيعة الحال، إذا اندلعت الثورة، فعندما يلتقي الجميع في الميادين، ستسقط كل الخلافات، وتسقط كل الموانع، بيد أن هذا الحديث يأخذنا إلى قضية فلسفية بطرح سؤال أيهما أقدم: البيضة أم الدجاجة؟! فهل التوافق لابد منه لقيام الثورة، أم أن قيام الثورة سينتج التوافق؟!

الذين يضعون أيديهم في الماء البارد، يعتبرون كل صيحة عليهم، وكل قرار بالإفراج عن معتقل من شأنه أن يؤجل قيام الثورة، وهم لديهم استعداد للتضحية بآخر معتقل، باعتبار أن وجود المعتقلين في السجون لازماً لقيام الثورة، ولو تدبروا لعلموا أن الإفراج عن المعتقلين بأي طريقة، هو مكسب إنساني، ومكسب للثورة، فالحقيقة أن الثورة بدت كما لو كانت دفعت بهم للمحرقة ثم تخلت عنهم، ولعل السؤال الذي يؤرق الضمير الإنساني، أنه إذا لم تكن النية معقودة على أن يكون العمل الثوري بعد الانقلاب جاداً فلماذا كان التحدي؟، ولماذا تم الدفع بالنساء بالذات، لمعركة تفتقد للجدية في الانتصار للضعفاء، وأنا لدي قناعة أن الحراك لم يتوقف ضعفاً، ولكنه تم بفعل فاعل؟!

لا أعول على الجيل المهزوم في قيام الثورة، سواء من كان منه في السجون أو خارجها، وسواء من كان خارج البلاد أم داخلها، فقد يلتحق هذا الجيل بالثورة، لكنه لن يكون هو الداعي لها، ولن يكون في مقدمة صفوفها وإن لم يمنع من تخطيه الرقاب إذا اندلعت، عزاؤنا أن هزيمة الأجيال، تخلق أجيالاً أكثر رغبة في الانتصار، سنة الله في الذين خلوا من قبل، فالتحدي يولد بقدر الهزيمة، وهذا التحدي لا يكون في النفوس المهزومة، ولكن في النفوس التي شاهدت المهزومين، ووقفت على ما جرى لهم!

الذين شاركوا في انتفاضة الخبز في يناير 1977، ليسوا هم الذين كانوا في مقدمة الصفوف في يناير 2011، فقد هزموا، وتوقف كثير منهم عن ممارسة السياسة، ومن استمر في ممارستها، كان حماسه يزيد وينقص، فلم يكن في مقدمة من قاموا بالثورة، وإن كان كثيرون منهم لحقوا بها، وهناك من دفع بهم اليأس لقبول الدنية ولو مقعد في البرلمان بالتزوير، أو حتى بالتعيين، وفي اللحظة التي كان هؤلاء يرون أنهم الأقدر على قراءة روح العصر، وأنه ليس بإمكانهم هزيمة السلطة الحاكمة، فقبلوا بمجرد الاقتراب من رحابها، سقطت هذه السلطة!

لقد هدت سجون عبد الناصر الإخوان المسلمين، لكن ما جرى لهم من تعذيب وتنكيل كان سبباً في زيادة مخزون الغضب لدى الجماعات الإسلامية التي تأسست في فترة السبعينات، فدخلوا في صدام مع السلطة، انتهى بالمراجعات، ولست من المقتنعين بأنها راجعة إلى أنهم اكتشفوا فقه السلامة، فقد كانوا يواجهون به من شيوخ بالأزهر في النشأة والتكوين، وكانوا يتهمون أصحابه بأنهم من رجال السلطة، لكن تجربة السجون والمواجهة أقنعتهم بأنهم لا يمكن لهم أن يهزموا السلطة بمخزون الغضب وحده!

وإذ انصرفوا ليستفيدوا من المكاسب الضئيلة التي وفرتها «المصالحة»، وهم يجترون الهزيمة، لدرجة أن منهم من اندمج في الدور، حتى بدا له أن هذا هو خياره الحر، قامت الثورة بغيرهم ممن لم يمروا بمحنتهم، بل إن منهم من كان يشارك في الفعل النضالي لأول مرة. وقد التحق بالثورة من كانوا يعيشون الهزيمة، ومن كل القوى السياسية.

باندلاع ثورات الربيع العربي، كانت العشرية السوداء في وعي شعب الجزائر، لقد مروا بتجربة أليمة، جعلتهم يدركون بأن السلطة لا يقدر عليها أحد، وبلغ التحدي أن القوم رشحوا ميتاً للانتخابات الرئاسية، لدورة لم يحكم فيها، ثم جيء بجثمانه للترشح لدورة جديدة، وكان الأمر يمثل إهانة للجزائر، حاضراً وتاريخاً، أهذا هو ثمن النضال الطويل، والشهداء الذين قدموا في معركة التحرير.. أكانت هذه النتيجة المزرية تستحق كل هذه التضحيات؟

وإذ فجأة يشتعل الحراك، فيجري تذكير الشعب بالعشرية السوداء، من قبل قائد الجيش، فلا يأبه الثوار لذلك، وإذا بالحراك يجبر من يمثلون بجثة بوتفليقة، إلى الإعلان أنه لم يكن في نيتهم الترشح، مع أنه سبق وأن قدموا بالنيابة عنه أوراق ترشيحه، وإذ بالجنرال الذي ذكر بالعشرية وهدد بها، يتحدث بلسان الحراك، ويعلن أنه سيتعقب أهل الحكم، وكأنه لم يكن منهم!

ما الذي جد، وليست هذه المرة الأولى التي يهان فيها الشعب الجزائري بترشيح متوف؟!

لقد كان التحدي لجيل عاصر العشرية السوداء، ووقف على الفاتورة الباهظة لتحدي السلطة، فكان جيلاً جديداً يتشكل وعيه، وقد مثلت له الجرائم التي ارتكبت فيها دافعاً للتحدي، في حين أن من عايشوها بكامل وعيهم، كانوا قد استكانوا واستسلموا، هل أقول إن كثيرين ممن أعرفهم ممن عاصروا هذه المرحلة السوداء في تاريخ الجزائر، لم يتحمسوا للحراك، ولم يروا أنه قادر على تحقيق أدنى انتصار، فلما سقط بوتفليقة وسجن شقيقه، كما سجن قائد المخابرات السابق رمز هذه المرحلة، كانوا قد فقدوا أي قدرة على الشعور بالنصر؟!

وفي السودان حدث الأمر نفسه؟ لقد كانت الأحزاب القديمة، ومعها القوى السياسية التقليدية في حالة استسلام كامل لقدرها، وباعتبار البشير لن يقدر عليه أحد، فثلاثين عاماً من قدرته على السيطرة، دفعت هذه الأحزاب لأن تؤثر السلامة، وكان البشير نفسه يعتبر أن تعديله للدستور، مسألة إجراءات لا أكثر، فقامت الثورة!

ينبغي أن نكون معنيين بالإفراج عن المعتقلين، ولا يشغلنا كثيراً تحقيق التوافق، فمن قال لكم أن جيلاً مهزوماً سينصع الثورة؟! بالكاد قد نلحق بها.

فالثورة لن يقوم بها جيل يناير.

          azouz1966@gmail.com