بقلم : إسماعيل ياشا ..

أطلق الجيش التركي قبل أسبوع عملية نبع السلام العسكرية، بالتعاون والتنسيق مع الجيش السوري الوطني، لتطهير مناطق شرق الفرات في شمال سوريا من عناصر وحدات حماية الشعب الكردي، وإقامة منطقة آمنة لعودة ما بين مليون ومليوني لاجئ إلى بلادهم. وحققت العملية في أسبوع واحد نجاحاً كبيراً من خلال تحرير عدد من المدن والقرى، لتصل القوات المشاركة فيها إلى الطريق الدولي (M4).

انهيار وحدات حماية الشعب أمام قوات الجيش التركي والجيش السوري الوطني بهذا الشكل السريع، يدل على أن تلك الميليشيات لم تكن غير نمر من ورق استأسد لوهلة على سكان شمال سوريا بدعم الولايات المتحدة، ولما رفعت واشنطن عنها مظلتها انكشفت أمام الجميع بكل ضعفها وعجزها، لتبحث لنفسها عن مظلة أخرى تحميها، ولم تجد غير حضن النظام السوري.

عملية نبع السلام العسكرية نجحت خلال أسبوع في تدمير حلم تقسيم سوريا وإقامة دولة كردية في شمالها تسيطر عليها المنظمة الإرهابية. وكانت قيادة وحدات حماية الشعب الكردي، التابعة لحزب العمال الكردستاني، ظنت أنها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ذاك الحلم، بدعم أمريكي وأوروبي وعربي، إلا أن التدخل التركي العسكري أيقظها لترتمي إلى الحضن الذي خرجت منه من أجل محاربة ثورة الشعب السوري في الشمال.

وحدات حماية الشعب الكردي، أو بعبارة أصح الفرع السوري لمنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، تعود إلى حجمها الطبيعي، بعد ضربات الجيش التركي والجيش السوري الوطني. ومن المؤكد أنها ستجد من يحميها من الانقراض ليستخدم فلولها كورقة ضد تركيا، كما استخدمت منذ عقود من قبل قوى دولية وإقليمية. ومنذ انطلاق العملية العسكرية، سعت بكافة السبل وأنواع الدعاية السوداء إلى إقناع العالم بالوقوف ضد التدخل التركي العسكري، إلا أنها نسيت أن القوى الدولية والإقليمية لا تحركها مسرحيات كاذبة.

ورقة تنظيم داعش الإرهابي التي دأبت وحدات حماية الشعب الكردي على استخدامها لابتزاز الدول الغربية لم تعد صالحة للاستخدام، ومهما حاولت الميليشيات الكردية الانفصالية أن تهدد الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتلك الورقة، فمن غير المتوقع أن تستسلم تلك الدول لهذا الابتزاز الرخيص لتنجر وراء وحدات حماية الشعب الكردي، كما يؤكد ذلك ما جاء في إحدى تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ الذي أشار إلى أن «الأكراد» في شمال سوريا قد يطلقون سراح سجناء من تنظيم داعش بهدف جر الولايات المتحدة إلى المعارك الدائرة في المنطقة مع تركيا.

وسائل الإعلام الغربية والعربية المناوئة لتركيا أرسلت مراسليها إلى الحدود السورية التركية لتغطية سير العملية العسكرية، وعلى أمل أن تحصل على مشاهد ولقطات تظهر قتل الأطفال والنساء في قصف الجيش التركي، إلا أن القوات المشاركة في العملية خيَّبت آمال هؤلاء الإعلاميين، الأمر الذي دفع بعض وسائل الإعلام الغربية والعربية إلى نشر مقاطع وصور مفبركة لتجييش الرأي العام ضد عملية نبع السلام العسكرية، لدرجة أن إحدى القنوات الأمريكية نشرت مقطع فيديو قديماً تم التقاطه عام 2017 خلال عملية استخدام أسلحة في إطار ترويجي، وقدمته القناة إلى المشاهدين على أن الانفجارات الضخمة التي تظهر في المقطع ناجمة عن قصف الجيش التركي للمدنيين. ووصف الرئيس الأمريكي ما قامت به القناة لتشويه عملية نبع السلام العسكرية ب»فضيحة كبيرة».

التدخل التركي العسكري الذي انطلق قبل أسبوع مستمر، كما أن هناك جهوداً دبلوماسية ومباحثات ساخنة تجري بين أنقرة وواشنطن من جهة، وبين أنقرة وموسكو من جهة أخرى، لرسم مستقبل المنطقة، في ظل عزم تركيا على تطهير الشريط الحدودي بعمق حوالي 32 كيلومتراً من عناصر وحدات حماية الشعب الكردي، وإقامة منطقة آمنة لعودة جزء من اللاجئين إلى بلادهم. وعلى الرغم من الضغوط الهائلة التي تتعرض لها تركيا، لا يُتوقع أن تتوقف العملية قبل الوصول إلى أهدافها، لأن أنقرة كانت مستعدة لتلك الضغوط والتهديدات، وتراها أهون من الخطر الذي يأتي من وجود وحدات حماية الشعب الكردي على حدودها.

عملية نبع السلام غيّرت التوازنات في المنطقة لصالح تركيا. ومن المتوقع أن يتصاعد الدور التركي في ظل انسحاب القوات الأمريكية من بعض أجزاء المنطقة. ومن المتوقع أن تشهد المنطقة تفاهمات بين أنقرة وموسكو وطهران في أماكن، ومنافسة شرسة في أخرى. وهذا الوضع الجديد قد يدفع بعض الدول العربية إلى التقارب مع إيران أو روسيا، أو كلتيهما، إلا أن الأغلبية من شعوب المنطقة ستختار بالتأكيد الوقوف إلى جانب تركيا.

نقلاً عن موقع «عربي 21»