دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 23/9/2019 م , الساعة 12:57 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أسطورة «عوليس» تتجدّد

أسطورة «عوليس» تتجدّد

بقلم / منى عبد الفتاح - كاتبة سودانية :

ما زالت التقارير الحقوقية الدولية تترى وتبذل جهدها لإبراز الحقائق، بأنّ أجزاء عديدة من العالم الثالث اليوم تشهد سلسلةً منتظمة حلقاتها من ضربات تُسدّد إلى حقوق الإنسان، ويُرتكب في حقّ المواطن عنفٌ لم يشهده في أكثر العهود ظلامية. وهذه الحقائق لم ترسمها منظمة العفو الدولية ولا هيومن رايتس ووتش ولا أيّ من المنظمات الدولية والمراكز البحثية في تقاريرها، وإنما هي واقع ما آلت إليه الحال في القرن 21.

وبالرغم من حالات الرعب التي يتم إلقاؤها في روع كل من يرفض انقلابًا، ما يتضح معه أنّه لا نهاية تلوح في الأفق لهذه الانتهاكات للحقوق والحريات، فهناك ما يدعو إلى التفاؤل برؤية الواقع وفقاً لأسطورة «عوليس»، رغماً عن كل شيء. ففي الميثولوجيا اليونانية يمثل «عوليس» بطلاً يعاني عذاباً شديداً في طريق عودته بعد ملحمة بطولية. ولكنه يضلّ في متاهة البحر والأهوال أعواماً ويصادف كل أشكال المخاطر والإغراءات فلا تثنيه عن رغبته في العودة. ويجتاز المهالك أخيراً حتى يصل إلى هدفه النهائي، والمكان الذي انطلق منه منتصراً.

شيئاً فشيئاً، من كان يسمع فقط فسيرى الآن ويعايش حقيقة ما تحمله رسائل أفعال العنف. رسالة واحدة فقط منها يحملها بُوم التقتيل العبثي كافية لتنذر بشؤم الإبادة. ولكن رغماً عن فقد البعض لبوصلتهم وغوصهم عميقاً في بحر الخطوب المدلهّم، فإنّ هناك أملاً بأن يُنتشلوا بقشة أمل.

جاءت تقارير المنظمات الدولية لتظهر للعالم أنّ السلطات في العالم الثالث تلجأ إلى استخدام القوة المفرطة لفض الاحتجاجات والمظاهرات المطالبة بأبسط الحقوق، وبالطبع يتم ذلك دون إسناد تهم، وإن تم نكران التعسّف، وإن تجاهل مؤيدوي الحقائق وأرقام الضحايا والمفقودين، وعمي بصر من هم معها عن صور الدماء تنسال ولقطات التعنيف والقهر وما يصيب النفوس من سقم القهر. وإن قالت ما قالت عن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بأنّه «يتسم بالسلبية والتحيّز ويزخر بالمبالغات والتعميم وعدم الدقة»، أو أنّ المنظمة «ترسل إشارات خاطئة للمجتمع الدولي»، فإنّها لن تستطيع إلّا وضع غشاوة رقيقة ستجليها عزيمة المقهورين وجهود المجتمع الدولي الذي لو لم يتمكّن من رؤية قرص الشمس من ثقوب الغربال فهو بلا شكّ أعمى.

الكل يعلم أنّ من يقومون بالاعتداءات لا يحتاجون إلى ذرائع ومبررات إضافية تمكّن الدولة من دفع عجلة التغاضي عن تسليم الضالعين في هذه الانتهاكات للعدالة الدولية. وهي بالإضافة إلى أنّها تمثّل جرائم ضد الإنسانية فهي انتهاكات للحقوق السياسية والمدنية، وانقلاب واضح على الديمقراطية وشرعة الحقوق. تعود هذه المنظمات الحقوقية ولا يغيب عن بالها أنّ الحكومات الديكتاتورية تحافظ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، على وهن الإطار القانوني والمؤسسي لحقوق الإنسان، حتى تتجنب مشقة شفافية التحري في الانتهاكات الخاصة بكفالة حرية المواطنين والصحفيين وناشطي حقوق الإنسان وعمليات الاعتقال العشوائية والتعذيب.

ومن سخرية الأقدار أنّه عندما ينتفض ضمير الحقوق العالمي وينهض من سباته ليحقق في المجازر التي تمت وتتم ودون ذلك أحداثٌ جسام هزّت العالم، ينبري المتغولون على الحقوق ويصورون ذلك بأنّه هزّة على السطح. في كل مرة يقوم المقهورون بها عاتية تقتلع جذور النظام الفاسد، ولكن تأبى الدولة العميقة إلّا أن تستيقظ لتقلب الطاولة على الثوار الذين قدّموا أنفسهم قرابين للذود عن مكتسبات الثورة والدفاع عن شرعية الحُكم الذي جاءت به، ويزداد القتل والقهر والتنكيل وتعلّق العدالة على بوابات السماء لأجلٍ غير مسمى.

ورويداً رويداً من لم تقنعه السياسة سيقتنع بالأمر الواقع، حيث يسير به هذا الواقع إلى نبع اليقين وهو أنّ هذه البلدان تغوص حتى أذنيها في أوحال فضائح القمع والاضطهاد وكبت الحريات ولا يمتلك المواطن الذي صنع المعجزات أدنى درجات الاستقلالية في تدبير أموره إلّا بقدر ما يسمح به الجنرالات. ومن يتحمّل ويلات دفاعه عن حريته وقيمتها فهو يعاني عذاباً أعظم وويلات كثيرة، ليس أقلّها إفلاته من بين فكي الجبابرة، وليس أكثرها أن يكون بوسعه انتظار المنظمة الدولية لترشده للخروج. ذلك لأنّ طريقه الوحيد نفقٌ مظلم يقاسي فيه مشقات عديدة يبتليه بها طغاة خالدون، كلما قطعت رأس أحدهم نبت في مكانها عشرة رؤوس.

لا يعترينا شكٌّ في أنّ الإنسان الحرّ هو ذاك الإنسان ببطولاته وقوته وشجاعته، يدافع عن حقه في الديمقراطية بنضال الشرفاء، وهو المستعدّ أبداً لملاحم الكفاح العظيمة، المكابد طوال رحلته لأقدار المعاناة النفسية والذهنية والجسمانية. فهل يبلغ بنجاح هدفه النهائي، أو هل يعود «عوليس» مكلّلاً بتاج النصر من حيث ابتدأ !

إنّ حرية التعبير في حد ذاتها تشكل حقاً ديمقراطياً أساسياً، فليس بغريب أن تنعدم في ظل أنظمة غير ديمقراطية. وليس من المدهش أن تكون حرية الصحافة والإعلام هي البند الأول الذي تحرص كل الحكومات الاستبدادية على تقييده. وإذا كانت هي وسيلة ضرورية لتوفير الحماية ضد إساءة استخدام السلطة وكشف فساد الحكم والمسؤولين، فليس من الغريب افتقادها في هذا الموضع.

تجلت أهمية هذه النقطة بوضوح كبير في حبس واعتقال المناوئين لمجرد أنّهم عبّروا عن رأيهم. ويتمادى الوضع فيشمل ويعم، وتظهر الحاجة أصواتٍ بجرأة يعملون على كشف الانتهاكات للقائمين على السلطة، فمن غير تكميم الإعلام المناوئ لن يكون بمقدور النظم الحالية الاستمرار، ومن غير قيود ثقيلة تكبّل الصحافة فلن يكون بمقدور أي ديكتاتور التربع على عرش بلاده رئيساً ومن حوله إعلامه يطبّل له.

لقد أهدت شعوب العالم الثالث إلى نفسِها نصرًا على الاستعمار، ثم نصرًا على الحكومات الوطنية في ثياب الأزمة بالبحث الدائم عن الحريات وحياة أفضل. ورغماً عن كل شيء فإنّ أغلب هذه الشعوب العربية يخالجها شك بتسليط الضوء على مخازي وخذلان الأحزاب الوطنية. نجحت الثورات أم فشلت، سيبقى استخدام هذا الكمّ الهائل من الأصفاد الموروثة في تكميم الأصوات الحرة، كما سيرتدّ حسيراً من يكتشف أنّ زنازينه اعتقلت أجساداً ولكنها لم تحبس أرواحاً طليقة ما ملّت يوماً تحريك السكون.

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .