دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 2/11/2019 م , الساعة 12:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الباحث العراقي هادي العلوي رد في كتابه على آراء محمد أركون

محطات في التاريخ والتراث.. رصد لتطور الفكر الفلسفي بالإسلام

عُني أركون باللاّمفكَّر فيه وبالمنسي والمتنكر وهي نزعة يشترك فيها مع الماركسيين
أركون ..مُستشرق فرنسي من أصل جزائريّ له عناية بالإسلام تاريخاً سياسياً وفكراً فلسفياً
لقد خسرنا ابن رشد وفشلنا في الاحتفاظ به فالرشدية نقلت أوروبا إلى حال النهضة
محطات في التاريخ والتراث.. رصد لتطور الفكر الفلسفي بالإسلام
  • ينفرد الفكر الفلسفي عند الجابري عن أركون بنزعته المحلية
  • للعرب المعاصرين منظومة تفكير تتمايز عن غيرهم من شعوب الإسلام
  • الحضارات القديمة كالكائن الحي.. تولد وتنمو وتترعرع ثم تموت

بقلم - جهاد فاضل:

يُعالج الباحث العراقيُّ هادي العلوي في كتابه «محطات في التاريخ والتراث» الصادر عن دار الطليعة الجديدة في دمشق، محطّات مُختلفة قديمة وحديثة، منها ما يمكن تسميته «بمحطة محمد أركون»، فيصفه بأنه «مُستشرق فرنسي من أصل جزائريّ، له عناية بالإسلام تاريخًا سياسيًا وفكرًا فلسفيًا ووضعًا راهنًا يتساوق فيه أو يتبارى مع زميله المغربي محمد عابد الجابري». وهو وصف غير دقيق علميًا؛ لأن أركون باحثٌ جزائري قطعًا، وإن كان مقيمًا في باريس، ولا يمكن وصفه «بالمستشرق». وكذلك الأمر بالباحث المغربي الكبير الراحل محمد عابد الجابري، فهو مغربي أصلًا وفصلًا ولا يمتّ للمستشرقين بصِلة. ويتابع العلوي أوصافه للباحثَين الجزائري والمغربي، فيقول «إن دراستهما تنحدر من تراث الاستشراق العريض بالدرجة التي تجعلهما مُجدّدَين للاستشراق ضمن مؤشرات الطور الراهن للأيديولوجيا الغربية». ويتابع «وينفرد الجابري بنزوع محلي يتمثّل في محاولات الإجابة عن تساؤلات عربية جارية مُبتدئًا من التراث بدايةً تُشبه بداية زميله السوري طيب تيزيني مع تفاوت في درجة الاتّكال على الاستشراق، حيث الأخير أكثر استقلالًا في منهجيّاته، كما في تلمذته لاستشراق ماركسي أنضجته ألمانيا الشرقيّة لتتفوّق بدرجة علميته على الآباء الروس».

ويرى هادي العلوي أنّ محمد أركون يصدر عن المناهج الفرنسيّة في أحدث مناهجها، ويستوصف في كل معالجة للإسلام مفكرًا فرنسيًا من هذه الجملة الواسعة لفلاسفة صغار طوّروا بعض المناهج الجديدة لِمَا أرادوا أن يعلنوه كحقبة ما بعد الماركسية. ويستبعد من معالجاتها، وهي كثيرة متشعبة، مدارس التفسير المادي للتاريخ كالمادية التاريخية للماركسيين، ونظرية توينبي في التحدّي والاستجابة، موظفًا لتفسيراته الإسلامية كلًّا من مدرسة الحوليات الفرنسية ومدارس البنيوية على اختلافها والأنتروبولوجيا البنيوية.

وعنده أن الجديد في مباحث محمد أركون دعوته للاهتمام بالثقافة الشفوية والممارسة المباشرة للإسلام أي المعيوش غير المكتوب فيما سمّاه إسلاميات تطبيقية استنسخها عن الأنتروبولوجيا التطبيقية للفرنسيين. ويبدو هنا الأثر الإيجابي لبنيوية شتراوس الباحثة عن الفكر المتوحش، أي الطبيعي غير المدوّن. كذلك عُني أركون باللاّمفكَّر فيه والمنسي والمتنكر، وهي نزعة يشترك فيها مع الماركسيين، وإن تكن من نتائج تطبيقاته الفرنسية. ولاحظ أركون بصواب أن الإسلام كان في الماضي، أي في عصره، هو الحداثة.

أما اليوم فهو تراث، إلا أنه اتّجه لإلغاء مرجعية التراث ليجعلها غربية خالصة. فدعا إلى التسلح فقط بالمعرفة الغربية وباللغات الغربية. ودعوته غامضة؛ لأن الفكر الغربي متناقض وفيه الرسمي السائد والمعارض المنبوذ.

وتحت عنوان «لقطات من فكر أركون»، يقول العلوي إن أركون يرى «أن العقل الإسلامي أوسع من العقل العربي، وأن دراسة العقل الإسلامي تهدف إلى الإمساك بالظاهرة الدينية التي تشمل أكثر من العالم العربي، كما تسمح بفهم العقل العربي نفسه، وأن نقد العقل العربي يشكل مرحلة ضرورية لنقد العقل الإسلامي».

إن التمييز بين عقلية إسلامية وعقلية عربية لا يصحّ فيما يخص عموم الفكر الإسلامي. هناك أدب عربي يعبّر ولا سيما في مراحله الأولى بين الجاهلية ونهاية الأُمويين عن عقلية عربية محددة بثقافة العرب الجاهلية التي تركت بصماتها على تطوّر الأدب العربي فيما بعد.

أما العقلية الإسلامية فتظهر في النشاط الفكري لعموم المسلمين بساحاته المُختلفة: علم الكلام، الفقه، أصول الفقه، الحديث، التفسير، الفلسفة، التاريخ، الجغرافيا، الطبيعيات والسياسات، وهذه مشتركة بين الشعوب الإسلامية. ويصعب أن نميّز منها ما يعبّر عن عقلية شعب دون آخر، وإنما حدث التمايز حين تكوّنت آداب قومية في حضن الإسلام، فظهر الأدب الفارسيّ الجديد لينافس الأدب العربي ويتمايز عنه بخصائصه القوميّة التي تعبّر عن الشخصيّة الفارسيّة، والأدب قوميّ والفكر عالميّ.طبعًا في الفكر الإسلاميّ ملامح العقلية الشرقية في اختلافها عن عقلية اليونان الغربيين، وتعبّر المُساهمات المُشتركة لشعوب الإسلام في حضارته عن مجموع الخصائص المُتقاربة لهذه الشعوب. بل إننا نجد تماثلات مع ثقافة الصين تعكس تقارب الظروف التاريخيّة لتطوّر الشرق رغم عدم الاتصال في مضمار الفكر الفلسفي وعدم اطّلاع الحضارتَين على آداب بعضهما البعض.

ويتابع هادي العلوي عرض أفكاره حول العقل العربي والعقل الإسلامي على النحو التالي:

إن التمييز بين «العقل» العربي و»العقل» الإسلامي على أساس الدين خاطئ. فالثقافة الإسلامية جمعت علوم الدين والدنيا، وما يُسمّى عقلًا إسلاميًا هو ما تعبّر عنه الفلسفة والدين معًا، ويتساوى في ريادته أحمد بن حنبل وأبو العلاء المعري.

وإذا كان أركون يقصد الرابطة القائمة اليوم بين العرب وبقية الشعوب الإسلامية، فإن هذه الرابطة لا تقوم على الدين وحده، إلا فيما يخص الشعوب التي دخلت الإسلام بعد انتهاء الحضارة الإسلامية، أما شعوب الإسلام الأساسية فهي تشترك مع العرب ليس في الدين فقط، بل وبالتراث الإسلامي في تنوّعاته الشتّى.

ولذلك ليس من الدقيق استعمال تراث عربي خارج التراث الأدبي، فابن سينا فيلسوف إسلامي، ويعني هذا أنه فيلسوف عربي، فارسي، كردي، تركي.. لكن المتنبّي شاعر عربي، أي أنه عربي لا فارسي ولا كردي ولا تركي. وهكذا حين نريد تتخيم عقل عربيّ لفرزه عن عقل إسلامي، فالفاصل ليس هو الفكر إنما الأدب. إن الكندي فيلسوف عربي النسب لكنه لا يختلف عن الفارابي التركي إلا في المرحلة التي ظهر فيها كلّ منهما: الكندي مِن طوْر البدايات، والفارابي من مرحلة النضج، ولا مجال للمقارنة بينهما باعتبار النسب.

إنما المقارنة ممكنة بين المتنبّي وسعدي الشيرازي.

من هنا نجد أن نقد «العقل» العربي موضوعه الأدب العربي، فإذا أُريد به التمهيد لنقد «العقل» الإسلامي، فينبغي إكماله بنقد للأدب الفارسي والتركي وغيره.. أما اللغة فلا تكفي وحدها لتمييز فكر عن فكر إلا في معايير محدودة تقتصر على الخصائص القاموسية والصرفية للغة. وقد أسرفت البنيوية الألسنيّة بتركيزها على هذا المنحى الأحادي وإهمال العوامل المعقّدة والمتنوّعة التي تفعل في سيرورة الفكر، وأعطت للغة في تكييف المقولات ما أعطته المادية الصرفة للاقتصاد.

وماذا عن العقل العربي المعاصر؟ مع استبعاد مصطلح عقل والتمسك بالوصف الاشتقاقي (عقلية)، فإن للعرب المعاصرين منظومة تفكير تتمايز عن غيرهم من شعوب الإسلام الأساسية مع تماثلها في الكثير من المُنحنيات.

يرجع ذلك إلى التغييرات التي مَازَت الوضع العربي عن عموم الوضع الإسلاميّ منذ سقوط الخلافة العباسية. وينبغي دراسة الفكر العربي المعاصر في ضوء هذه التغيرات التي انتهت إلى إيجاد حالة من التحلل الحضاري.

ومع تمايز القوميات في العصر الحديث صار من الممكن الحديث عن شخصية عربية مقابل شخصية كردية أو تركية. وبالتالي تمييز ما يشكل «عقلية عربية» عما يوصف بأنه عقلية إسلامية. وتتشكل العقلية العربية من عناصر متنوعة يدخل فيها الإرث الجاهلي، البداوة، المعيوش من إرث الإسلام، الدين، ثم التركيبة الكولونيالية التي فرضها الاقتصاد الإمبريالي على المنطقة.. ولدراسة هذه «العقلية» لا يكفي الدين كمعيار أوحد، ولا بد من اشتمال الدراسة على مجمل المقومات في تفاعلها مع بعضها البعض..

في تناوله للخطاب الفلسفي الإسلامي وعلاقته بالخطاب الديني، ينتهي أركون إلى الكلام عن فشل الخطاب الفلسفي، ودعا إلى معالجة أسباب الفشل بالاستناد إلى سويولوجيا الإخفاق.. وهذا الحكم أصدره الجابري أيضًا على الخطاب الفلسفي الإسلامي الذي يسميّه عربيًا.

إن الحضارات القديمة كانت كالكائن الحي: تولد وتنمو وتترعرع ثم تموت لتخلي المكان لحضارة أخرى تبدأ منها في الغالب، فتقوم بدورها قبل أن تموت في أجَلها المحتوم. وموت الحضارة هو انتقالها في المكان. أما فشلها فموضوعي يمسّ الإقليم الذي نشأت فيه والناس الذين صنعوها.

ويؤدّي سقوط الحضارة إلى ارتكاسات شديدة الوقع على ناسها، لأنهم يُحرمون من منجزاتها فتفسد حياتهم وتتحلل مُجتمعاتهم. وهكذا حين سقطت حضارة الإغريق تفكّكت بلاد اليونان وفقدت سيادتها. لكن الحضارة الإغريقية نفسها عاشت في الحقبة الرومانية، ومن بعدها في الحقبة الإسلامية.

ويلاحظ أن مؤرّخي الحضارات الأوروبية من الأوروبيين لا يستعملون مثل هذه المفردات، فهم مثلًا لا يميلون إلى الكلام عن فشل الحضارة الإغريقية أو الرومانية، إنما يؤرخون سقوطها الطبيعي مُفسَّرًا بوجهات نظرهم المُختلفة.

والحضارة الإسلامية هي كغيرها من الحضارات القديمة ولدت وترعرعت وأدّت دورها ثم توقفت. وعندما تتوقف الحضارة عند مُنعطف معين فيعجز أهلها عن تطويرها أو التمتّع بمنجزاتها، فهم لا يسجّلون فشل حضارتهم هم إنما يسجلون الفشل على أنفسهم لعجزهم عن مواصلة ما قام به أسلافُهم. والنقطة الجوهرية هنا هي أن منجزات الحضارة الإسلامية ومنها وفي مقدمتها الفلسفة قد أخذت طريقها إلى الغربيين الذين شرعوا ببناء حضارتهم الجديدة منطلقين من منجزات الحضارة الآفلة.. لقد خسرنا ابن رشد وفشلنا في الاحتفاظ به. أما ابن رشد نفسه فلم يفشل. وكيف نصف بالفشل فيلسوفًا يتحوّل بعد خمسين سنة من وفاته إلى محور للصراع الفكري في أوروبا اللاتينية، يتخذ منه المجددون والأحرار من الأوروبيين مرجعًا أعلى في نضالهم ضدّ الكنيسة.إن الرشدية هي الرافعة التي نقلت أوروبا من حال إلى حال النهضة، ودفعتها في دروب الفكر الحر الجديد الذي كافح أكثر من ثلاثة قرون تحت راية ابن رشد ليضعضع سلطان الكنيسة ويضع المقدّمات الأيديولوجية لإنهاء الإقطاع لصالح الثورة البورجوازية الوشيكة.

إن دراسة الحضارات في تعاقبها الجدلي تضع وعي المؤرخ في نصابه القويم وتمكّنه من الاستعمال الدقيق لمفردات القاموس التاريخيّ.

تلك أبرز ردود الباحث العراقي هادي العلوي على بعض ما ورد في كتابات الدكتور محمد أركون. وفي كتاب العلوي محطات فكريّة أخرى جديرة بالتوقف عندها واستعادة البحث فيها في وقت لاحق.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .