دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 9/11/2019 م , الساعة 12:16 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

10 ساعات من الألم والاحتضار قبل الوصول إلى المملكة المتحدة

العودة من الموت.. قصة لاجئ كاد يفقد حياته في شاحنة تبريد

أراد سيامند أن يحذف الحادثة من ذاكرته إلا أن مصير الفيتناميين المحزن أجبره على البوح
التعامل مع المهربين وتجار البشر يحول رحلة اللجوء إلى موت بطيء
العودة من الموت.. قصة لاجئ كاد يفقد حياته في شاحنة تبريد

لندن - بي بي سي:

انفطر قلبه ألماً على موت الفيتناميين في «شاحنة الموت» التي وصلت إلى المملكة المُتحدة في الـ 23 من أكتوبر الماضي، وقرّر أن يحكي تفاصيل رحلته المروعة إلى المملكة المتحدة داخل شاحنة تبريد، وكيف صارع الموت هو ومن كانوا معه من إيرانيين وأفغان حتى اللحظات الأخيرة عندما عثرت عليهم الشرطة البريطانية وأنقذتهم. «لعلني أستطيع المساعدة في إنقاذ أرواح قبل أن تصبح ضحايا، لأن معظم من يخوض تجربة البراد لا يعلم عنها شيئاً فيغامر بحياته». بلا شك، أثرت حادثة موت الفيتناميين الـ 39 الذين كانوا على متن شاحنة التبريد التي وصلت إلى مقاطعة إسيكس البريطانية على كل من سمع أو قرأ عنها، إلا أن من عاش التجربة نفسها، يتألم أكثر لأنه يدرك ويعلم حجم الألم الذي عانوه. وصل سيامند زهرالدين إلى المملكة المتحدة داخل شاحنة تبريد مع مجموعة من الإيرانيين والأفغان بينهم نساء وأطفال، يروي سيامند لـ بي بي سي عربي تفاصيل لم يذكرها لأحد من قبل، وكيف حالفهم الحظ بأن يعيشوا بعد أن كانوا على وشك الموت.

شعور بالذنب

لم يشأ سيامند، اللاجئ الكردي السوري (مواليد مدينة حلب 1984) الذي يعيش حالياً في مدينة مانشستر البريطانية، أن يتذكر التجربة التي مرّ بها مدى الحياة من شدة ألمها، وكان قد وعد نفسه أن يبدأ حياته من جديد ويحذف من ذاكرته كل ما يتعلق بتفاصيل رحلة لجوئه إلى المملكة المتحدة. إلا أن موت 39 مهاجراً فيتنامياً مؤخراً، جعله يشعر بالمسؤولية تجاه آلاف الشباب الذين قد يفكرون بالقدوم إلى المملكة المتحدة داخل شاحنات مبرّدة ويغامرون بحياتهم لاعتقادهم أن هذه الوسيلة هي الأنجح والأسرع للوصول إلى المملكة المتحدة، دون أن يعلموا بأن هكذا رحلة قد تكلفهم حياتهم». لكن ما لا يعلمه الكثيرون ممن يضطرون إلى التعامل مع المهرّبين وتجار البشر، أن رحلة البحث عن الحياة قد تنقلب في أي لحظة إلى رحلة موت بطيء» كما يقول سيامند. ويضيف: «أشعر بالذنب إن لم أشارك تفاصيل رحلتي المرعبة في شاحنة نقل الخضراوات مع غيري، لعلّني أنقذ أرواحاً لأنهم لا يعرفون ما ينتظرهم في رحلتهم المحفوفة بالمخاطر». وصل سيامند إلى مدينة كاليه الفرنسية التي يتجمع فيها اللاجئون من أصقاع الكون، بعد أن أخبره المهاجرون في فرنسا أن الطريق إلى المملكة المتحدة يبدأ من تلك النقطة. لم تكن رحلة الوصول إلى كاليه سهلة على الإطلاق، بل محفوفة بالمخاطر، فقد ركب القارب المطاطي وسط ظلام دامس وبحر مرعب من تركيا إلى اليونان، ثم توجّه إلى فرنسا مروراً بألبانيا والجبل الأسود وصربيا وبلغاريا والنمسا وألمانيا لينجو ليس فقط من مفاجآت البحر بل من مافيات هذه الدول ومهربيها المنتشرين في المناطق الحدودية في تلك الدول. يقول سيامند عن محاولاته الأولى للخروج من كاليه في شاحنات مختلفة: «لم يعلم معظم السائقين بوجودنا على متن شاحناتهم لأننا كنا نقوم بذلك ليلاً أثناء استراحتهم وانتظارهم في الطابور على أطراف الميناء، وكان يجري ذلك بتوجيهات من المهرّبين الذين كانت لديهم الخبرة بوجهات تلك الشاحنات ويستطيعون قراءة الشفرات التي تدل على وجهة الشاحنة فضلاً عن معدات وأدوات لفتح أبوابها وإغلاقها دون ترك أي أثر يدل على أن الباب فُتح». ويضيف: «كان المهرّبون يتقاسمون ساحات وقوف الشاحنات فيما بينهم، وإذا كان المهرّب مبتدئاً، فلن يعرف الكثير عن وجهات الشاحنات وقراءة الشفرات، فقد نُرسل إلى ألمانيا أو الدنمارك مثلاً بدلاً من المملكة المتحدة. فشلت عدة محاولات له خلال فترة وجوده لأكثر من أسبوعين بسبب ركوبه في شاحنات مغطاة بالقماش، الأمر الذي يؤدّي إلى كشفهم بمجرد مرور الشاحنة بجانب عامود الماسح الضوئي «Scanners» الضخم المخصص للكشف عما يوجد داخل الشاحنة و»خاصة الأشخاص أو أي مخلوق يسري فيه دم». ويحكي سيامند كيف تم كشف وجوده ومجموعات أخرى من الشباب والنساء والأطفال عدة مرات بعد ذلك، ودفعه يأسه وانتظاره في كاليه إلى الأخذ بنصيحة المهرّب وخوض الرحلة داخل شاحنة مبردة لنقل الخضراوات، ولا تستطيع حتى الكلاب المخصصة لهذا الغرض اكتشاف ما بداخلها.

عودة من الموت

تم إخبارنا بأن شاحنة نقل الخيار في طريقها إلى المملكة المتحدة هذه الليلة، وشجع المهرّبون كعادتهم من ينتظر التوجّه إليها، ولم يصعد إلى تلك الشاحنة إلا ثمانية، من بينهم سيامند. وعن الرحلة يقول سيامند: «مرت سبع ساعات، ولم تتحرك الشاحنة، كنا نصلي وندعو الله أن تسير الشاحنة قبل أن تنخفض درجة حرارة أجسادنا إلى مستوى خطير، كان الموت يسيطر على كل عقلي وتفكيري، كنت أتضرّع إلى الله كي لا أموت متجمداً كفأر بين صناديق الخيار، وأبقى على قيد الحياة وأطمئن والدتي على صحتي، وألتقي بزوجتي ثانية، كانت سبع ساعات من الأمل الممزوج بالإحباط، كانت سبع ساعات في الجحيم، كنت أعيد شريط ذكريات الطفولة واللعب مع أصدقائي خلال أيام الدراسة في جامعة حلب والتحديات والقوة التي كنت أتباهى بها، كنت كمن يعيد شريط ذكرياته قبل الموت». وبعد سبع ساعات، انطلقت الشاحنة إلى الميناء، فعادت إليه وإلى من كان معه الروح من جديد، استجمع قواه ليقاوم أكثر رغم أنه كان قد فقد القدرة على تحريك قدميه، ووصل البرد إلى عظامه، وضاق تنفسه. كان سيامند يعلم بأنه دخل مرحلة انخفاض درجة حرارة الجسد، إذ بدأت ضربات قلبه تتسارع وشعر بالانقباض في القلب، كان يأمل بألا يتوقف قلبه فجأة ويرى النور ثانية. ويضيف «كنت أحتضر، رغم قوتي البدنية، وكان من معي أسوأ حالاً، كانت حشرجات تنفسهم تزيدني ألماً، كان ذلك أشبه بخروج الروح من الجسد، الكلمات تعجز عن وصف حالة الرعب التي عشتها في الدقائق الأخيرة، لم نعد قادرين على الكلام، كانت رجفة أجسادنا وصرير أسناننا، هي الأصوات الوحيدة التي كانت تُسمع».

ولادة من جديد

ويتابع سيامند قوله: «كدنا نطير فرحاً رغم سوء حالنا عندما سمعنا صفارات سيارات الشرطة التي توقفت بجانب شاحتنا، بعد أن كنا على وشك الموت برداً لمدة عشر ساعات». حدث ذلك عندما استسلم سيامند وقرّر التخلي عن حلم الوصول إلى المملكة مقابل القليل من الأوكسجين والدفء، استجمع كل قواه وبدأ بضرب رأسه ويديه بجدار الشاحنة، التي بدت واقفة عند إشارة حمراء حسب اعتقاد سيامند. بدا أن السائق قد سمع الضجيج من داخل الشاحنة، ففتح الباب عليهم ورآهم، لكنه أغلق الباب بسرعة، عندها جزم سيامند ومن معه أنهم سيموتون بسبب عدم مبالاة السائق. لكن يبدو أن السائق عندما رآهم، سار بالشاحنة إلى موقف ما واتصل بالشرطة، وبعد عشرين دقيقة، كانت قد أحيطت شاحنتهم بسيارات الشرطة البريطانية. ويصف فرحته بإلقاء الشرطة القبض عليهم قائلاً: «كان رجال الشرطة بالنسبة لنا في تلك اللحظة مثل ملائكة الرحمة، تحدثوا بالإنجليزية وأشاروا لنا بالنزول، زحفنا بأجسادنا الثقيلة على بطوننا، وساعدتنا الشرطة في النزول، يا إلهي، ها أنا أرى النور ثانية ومازلت حياً». أنزلتهم الشرطة بهدوء، اقتيدوا إلى مركز احتجاز، حيث تم سؤالهم عن هوياتهم وصحتهم بعد أن قدموا الطعام والشراب. وفي سؤال بي بي سي الأخير لسيامند فيما كان الوصول إلى المملكة المتحدة يستحق خوض مغامرة قد يموت خلالها صاحبها، يجيب قائلاً: «لو عاد الزمن بي إلى الوراء وعشت نفس الظروف التي عشتها في سوريا أثناء انتشار داعش ودمار مدينتي حلب ونزوح الأهل والويلات التي شاهدتها بأم عيني، لأعدت التجربة نفسها. فموتي في البراد يكون مرة واحدة، أما في حلب، فكنت سأموت آلاف المرات في اليوم الواحد مع الدمار والحرب والموت الذي كنت سأعيشه في كل لحظة».

وينهي حديثه قائلا: «ولكن لا أنصح أحداً بخوض المغامرة التي خضتها، فبقائي على قيد الحياة كان بمحض الصدفة، وإلا لكنت في عداد الأموات. ما حدث كان مُريعاً ومؤلماً وقاتلاً».

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .