دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 13/7/2019 م , الساعة 4:34 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : منوعات : ثقافة وأدب :

نموذج للدراسات المعمقة والراقية لمبادئ النقد الحديث

بيان بيدبا .. إبحار في سرد «كليلة ودمنة»

كتاب «كليلة ودمنة» نص يعبر عن شمولية الثقافة الإنسانية
رواج دائم للحكايات والمقامات الرائدة وألف ليلة وليلة ورسالة الغفران
نص كليلة ودمنة نص تأويلي منفتح على أزمنة القراءة المتعددة
الحكايات على لسان الحيوان لتجنب قمع وبطش الحاكم لشعبه
بيان بيدبا .. إبحار في سرد «كليلة ودمنة»

بقلنم - جهاد فاضل

بين وقت وآخر تُوهَب «كليلة ودمنة»، أو «بيان بيدبا» كما يسميها الباحث المغربي الدكتور يوسف إسماعيل، حياة جديدة عبر طبعة جديدة للكتاب، أو عبر دراسة جديدة حوله تعيد اكتشافه وسبر غوره بعنوان «مشروعية السرد في بيان بيدبا».

وإذا كانت مثل هذه الطبعات والدراسات في الماضي وقفاً على أقطار المشرق العربي، وفي طليعتها مصر ولبنان، فقد انتقلت في حقبتنا الحالية إلى بلدان المغرب العربي التي تهتم بكليلة ودمنة اهتماماً خاصاً يتجلى في عدد وافر من الدراسات منها هذا الكتاب الذي نعرض له، والذي يمثل نموذجاً للدراسات المعمقة الراقية، والذي يتناول فيه مؤلفه وعلى ضوء مبادئ النقد الحديث كل ما يتصل ببيان بيدبا من قريب أو بعيد. ويحسن قبل الإشارة إلى محتوياته تلخيص «الحكاية الإطار» لكليلة ودمنة استناداً إلى الكتاب عينه وفيه:

يقول علي بن الشاه الفارسي إن الإسكندر ذا القرنين الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب سار يريد ملوك المشرق من الفرس وغيرهم، فلم يزل يحارب من نازعه إلى أن توجه بالجنود إلى بلاد الصين. وبدأ في طريقه بملك الهند يدعوه إلى طاعته. وكان ملك الهند ذا سطوة وبأس ففضل محاربة الإسكندر على الاستسلام له، وأعد له العدة وقارعه. ولكن الإسكندر تغلب عليه وعين مكانه أحد أتباعه قبل أن يغادر الهند.

ورفض الهنود أن يتولى أمر بلادهم رجل غريب عليهم، وليس من ملتهم، فثاروا على الوالي المعين بعد مغادرة الإسكندر وعينوا مكانه أحد أبناء ملوكهم ويُدعى «دبشليم». وبعد أن استتب الحكم له ظلم رعيته وحكم بالسطوة والجبروت حتى خافه الناس. وكان في زمانه فيلسوف حكيم يُدعى «بيدبا» عاين الظلم الواقع على الرعية فقرر أن يدخل على الملك «دبشليم» ويحدثه بمعاناة الناس من ظلمه، وينصحه بالعدل بين الناس ورفع الظلم وإنصاف المظلومين وإطعام المحرومين والفقراء.

فنصحه أتباعه بخطورة قراره، وطلبوا منه تجنب اللقاء. ولكن «بيدبا» وجد من واجبه بوصفه فيلسوفاً وحكيماً تحمل المسؤولية وتقديم النصيحة للملك.

دخل «بيدبا» على الملك وبدأ حديثه معه بذكر فضائل أجداده من الملوك، ثم ذكر أقوال الحكماء والفلاسفة والملوك عن فضيلة السكوت إذا كان الكلام لا يخرج من عاقل ولا يبتغي الحكمة والعدل والإنصاف. ثم أتبع ذلك برد الظلم الواقع على الرعية وضرورة رفعه عن الناس عملاً بواجب الملك وبسنة أجداده الذين كانوا يعدلون بالرعية ويحكمون بالرأفة والرحمة والمشورة.

غضب الملك «دبشليم» من حديث الفيلسوف، ورأى فيه تدخلاً في ما لا يعنيه وجرأة على الملك وهيبته، فأمر بقتله والتمثيل به ليكون عبرة للآخرين، ولكنه بعد أن خلا بنفسه تأمل في قراره ونتائجه وفي غاية «بيدبا» ومعنى كلامه، فندم على قراره وأمر بإطلاق سراح الفيلسوف وإحضاره إلى مجلسه.في اللقاء الثاني بين الملك والفيلسوف طلب الملك «دبشليم» من الفيلسوف الحكيم إعادة ما قاله سابقاً على مسامعه ليتأمل في معانيه.فأعاد «بيدبا» قوله ونصائحه. تأمل الملك فيها وقرر العودة عن غيّه، وطلب من الفيلسوف الحكيم مشاركته في العمل على إحلال العدل، وأوصاه بوضع كتاب يبين مايجب على الرعية تجاه الملوك من طاعة، وكيف على الملوك سياسة بلدانهم ورعيتهم.

ينقطع الفيلسوف بيدبا لكتابة مؤلفه الذي وضعه على لسان الحيوان من خلال أبواب. يبدأ كل باب بسؤال من الملك، وينتهي بإجابة «بيدبا» التي تنص على الحكمة والنصيحة، وتمثل بحكاية من مخزون «بيدبا» الثقافي أو من النقل عن راوٍ آخر يولد من السرد إلى أن تنتهي أسئلة الملك في حكاية الحمامة والثعلب. فيسكت الملك ويختم بيدبا كلامه بالدعاء للملك ورعيته.

ويتوقف السرد لينهي الحكاية: الإطار في خاتمة الكتاب.

يقول الباحث الدكتور يوسف إسماعيل إن نص «كليلة ودمنة» الذي يتناوله بالتحليل في كتابه هو نص إنساني وإشكالي وتأويلي. هو نص إنساني لأنه يعلو على خصوصية ثقافة ما، يونانية أو هندية أو فارسية أو عربية. وهو نص يعبر عن شمولية الثقافة الإنسانية من نقاط ثلاث:

الأولى طبيعة مادته المتداخلة والمازجة بين عدة ثقافات أنتجت الثقافة الشمولية في البصرة التي عاش فيها ابن المقفع، وتعلم وأنتج إبداعه المعرفي.

الثانية: بنيته الدلالية التي تعلو على الزمان والفضاء فتخاطب حالة سياسية متعالية على واقع اجتماعي مناهض لها. الأمر الذي يشير إلى أنها بنية دلالية مرتبطة بزمن القراءة وليس بزمن القصة أو زمن الكتابة. وهذا فعلها المتجاوز للزمان والمكان.

الثالثة: إن متنه الحكائي ينقلنا عبر المكتوب إلى عالم مرحلة شفوية حيث بدأت المجتمعات بتكوين أعرافها ومعتقداتها عبر الحكاية الشعبية الشفوية.

وهو نص إشكالي لتجاذب الصراع في متنه على مستوى الدلالة وعلى مستوى التأويل النظري الخارجي لذلك المتن، إن كان من حيث زمن القصة أو من حيث زمن الكتابة أو من حيث زمن القراءة. وهو إشكالي أيضاً لتجاذب الصراع في متنه على المستويين الشفوي والكتابي وعلى مستوى التأصيل للنوع الأدبي، باعتبار التداخل بين الانتماء إلى أشكال التفريع الحكائي في الثقافة الإنسانية كألف ليلة وليلة، أو باعتبار البتر والتجزيء وتوزيع النص الواحد إلى نصوص حكائية فرعية تنتمي إلى حكاية الحيوان في النوع القصصي.

وهو نص تأويلي ينفتح على النصوص الحكائية الأخرى التي تلامس متنه بشكل مباشر أو غير مباشر لقدرته على استيعابها إلى ما لا نهاية غير محفزة الأساس الكامن في السؤال عن المعرفة والإجابة عن السؤال، ولكن عبر إعادة إنتاجها - أي المعرفة- في سياقها الحكائي النصي الخاص، وقراءة راويه للمتن الجديد. وهو نص تأويلي منفتح أيضاً على أزمنة القراءة المتعددة بتعدد القراء وفضاءاتها. وبذلك يمتلك النص القدرة على ذلك التوالد داخلياً في المتن، وخارجياً في التلقي.

ويرى الباحث أن سمة الانفتاح على النصوص الحكائية الأخرى، والقدرة على استيعابها، مرهونة بمؤلف النص وزمن الكتابة، حيث توقف المؤلف عند نقطة محددة في الاستيعاب وتوليد الأسئلة، وهذا شأنه. أما سمة الانفتاح على أزمنة القراءة لتوليد الدلالات وإنتاج النصوص الموازية المؤولة، فمرهونة بقراء قادرين على الفهم والتأويل والإنتاج، وهذا شأننا. فهل كنا قراء حاملين لتلك السمات عبر صور التلقي التي حظي بها النص فيما مضى؟

لقد قارب المصنفون والمؤرخون والموسوعيون قديماً، والنقاد حديثاً، النص مقاربة تصنف بقسمين: الأول التعريف بالكتاب ومحتوياته بإيجاز، مع اتخاذ موقف نقدي له علاقة بتأصيل النص، أو بالبعد الاعتباري الخارج من عباءة القصص الديني. والثاني دراسة مستفيضة تقرأ النص قراءة مقارنة مع كتاب «البنشاتنترا» الهندي. أي أننا في القسم الثاني نجد أنفسنا في مساحة مفصلة عما أوجزه القدماء، البحث في تأصيل النص وقصص الحيوان وبديلها الرمزي، مع الأخذ بعين الاهتمام البعد الزمني بين إنجاز القراءتين، حيث تم في زمن متأخر اكتشاف كتاب «البنشاتنترا». يضاف إلى ذلك أنه تم تجاوز الغاية الاعتبارية من الفن القصصي مما صبغ موقف النقاد المعاصرين من النص بالصبغة الإيجابية.

لكن ذلك لا يعدو الزبد - على أهميته- إذا ما أعدنا القول إن النص يتسم بثلاث سمات: الإنسانية والإشكالية والتأويلية. أي أنه نص لا يمكن أن تتوقف قراءته عند الفكرتين الشائعتين عنه من خلال صور التلقي الماضي. فكرة أصل النص «التأصيل» وفكرة الانتماء إلى النوع، قصص الحيوان ومدلولاتها الرمزية.

الفكرة الأولى لا أهمية لها من منظور شمولية الثقافة الإنسانية التي أنتجت النص. والفكرة الثانية هي نتاج مرحلة انقرضت في تمييز النوع القصصي ونموه، أي انفصال القصص الاعتباري عن القصص الفني المتنوع، وأخذه بعين الرعاية والتقدير لمدلولاته بعيداً عن الموقف الديني أو التقييم الأخلاقي للنص القصصي.

من خلال هذه المساحة الشاسعة في الفراغ بين النص وصور تلقيه، كانت المحفزات كبيرة وواسعة، سعة المساحة لملء الفراغ بالأسئلة والأجوبة ومحرضات التأويل انطلاقاً من النص بوصفه نصاً كلي الدلالة بسمتيه البنائية والدلالية، إذ تتداخل العلاقة بينهما لتوليد مقاربة لأشكال انفتاحه على العالم الخارجي. ويأخذ صورته الشمولية من بعده الإنساني في مقاربته العلاقة بين الظلم والعدل، أو بين العقل والجهل، أو بين الحاكم والمحكوم، أو بين القوة والضعف. إلى ما هنالك من تنويعات وإبدالات على هذا المستوى يمكن اختصارها بتجل حُلمي بين ما هو خرافي، بمعنى استحالة تحقيقه، وما هو ممكن. مما لا شك فيه أن كتاب كليلة ودمنة هو أحد الكتب التي حظيت بالانتشار وديمومة التلقي والقراءة عبر توالي العصور، مثله مثل الشعر العربي القديم والمقامات الرائدة، وألف ليلة وليلة ورسالة الغفران وإلياذة هوميروس والحكايات الشعبية، هذه النصوص الأدبية تجاوزت كينونتها الزمانية والمكانية إلى فضاء إنساني رحب تعالى على الخصوصية الضيقة. ولكل نص من تلك النصوص سماته التي عززت انتشاره وديمومته عبر التلقي المتنامي إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تنوعاً في أشكال تلقيها وإن تعددت القراءات، لأن القراءة الغنية والمتنوعة مرتبطة بنوعية القارئ وموسوعته الثقافية وخلفياته النصية والأدوات المنهجية التي يتسلح بها وليس بالموضوع المتلقى، وفي أشكال تلقي كليلة ودمنة ما يوضح ذلك.

إن ديمومة تلقي كتاب كليلة ودمنة وحضوره المتعالي يرجع إلى مجموعة من الخصائص يمكن أن تجمل بما يلي:

يرتبط الكتاب بالحكاية الشعبية وإن ظهر مكتوباً لدى الغرب في القرن الثاني الهجري، لأن الحكاية المضمنة فيه هي تراث إنساني تمتد جذوره في الثقافة الإنسانية الفولكلورية الهندية واليونانية والفارسية والعربية.

وهذه الخاصية تثير الجدل بشكل دائم حول جذورها وأصولها ومؤلفها ومدلولاتها.

يعد كليلة ودمنة من النصوص المركبة، حيث يتم الاستطراد في تنظيمه من حكاية إلى أخرى عبر التوالد المفضي إلى نص جديد قابل هو بدوره إلى توالد آخر مثله مثل حكايات ألف ليلة وليلة في التراث الإنساني. يقرأ كتاب كليلة ودمنة بوصفه نصاً متكاملاً تتداخل أجزاؤه لتغذي البؤرة الدلالية المركزية عبر التنويع كما يمكن أن يقرأ نصوصاً منفصلة ومستقلة ومبتورة عن سياقها النصي لتغذي دلالة جزئية خاصة بها.إن فكرة الكتاب المتمثلة في الصراع بين «الفوق والتحت» ومعالجتها بالتماثل بين قطبيها، هي فكرة متعالية على الزمان والمكان والثقافة المجتمعية الخاصة بشعب من الشعوب مما يجعل منها فكرة إنسانية شاملة ومخترقة لأي فضاء يحاول تحديدها وتأطيرها.

إن تلك العناصر المشكلة لديمومة النص وعالميته ليصبح جزءاً من التراث الإنساني وليس العربي أو الهندي أو الفارسي دفعت به إلى التلقي بأشكال متعددة وبقراءات مختلفة منها القراءة الوصفية ولكن لا شك أن أغلب القراءات التي تطرقت إلى كليلة ودمنة قديماً وحديثاً تلقت النص بوصفه مجموعة من الحكايات الشعبية خاصة حكايات الحيوان، أي بوصفه مجموعة من النصوص المنفصلة عن بعضها ويجب قراءتها في البعد الرمزي لما ينطق به الحيوان في مقابل الدلالة الإنسانية.

يضاف إلى ذلك أن تلك القراءات بحثت إيجازاً أو تفصيلاً عن الأصول الهندية أو الفارسية أو العربية لتلك الحكايات المنفصلة، وهو ترهين غير مجد لأن الحكاية الشعبية هي ثقافة إنسانية شاملة، ولا يمكن تأصيلها وإن توافرت القرائن البيئية والاجتماعية والجغرافية بحكم التناقل الشفوي وتشابه الأصول البشرية البدئية وطريقة توالد الحكايات، وإذا توصل باحث إلى القطع كما يرى بأصل المادة الحكائية في كليلة ودمنة، فإن القراءة بذلك المنحى ترهن المادة الحكائية بزمن ما وتغلقها على أصولها، مما يمنع انفتاح النص على الحاضر والمستقبل والتلقي المتعدد الدلالات والحمولات التي تولد نصوصاً جديدة. وهناك ملاحظات أخرى يرصدها الباحث المغربي منها ما يلي: إن حكايات الحيوان في كليلة ودمنة جاءت على لسان الحيوان بديلاً عن تمثيلها الإنساني تجنباً لقمع الحاكم وبطشه.

كليلة ودمنة قصة توالدية تقوم على التركيب الحكائي، وهذه رؤية إيجابية إلا أنها لم تعط ثمارها لأنها لم تتجاوز توصيف الإطار التنظيمي للنص إلى القراءة التأويلية الكلية له.

الإشادة بالدور الريادي الذي تكتسبه كليلة ودمنة بوصفها قصة رمزية متكاملة على مستوى النثر العربي المنقول. ومن ملاحظاته أيضاً أن تصريح ابن المقفع في مقدمته حول ضرورة فهم نصه والتمعن فيه لم يتم تلقيه كما أراده ابن المقفع حتى الآن وبقي سر ابن المقفع مغلقاً ولم يخرج إلى النور بعد.

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .