دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 27/7/2019 م , الساعة 4:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الباحث المغربي الطيب بوعزة أكد في كتابه أنها أزاحت الشعر عن عرشه

في ماهية الرواية .. إبحار أدبي في متون السرد

الرواية جنس أدبي يبدأ في تكوين وعينا وتشكيل أسلوب إدراكنا منذ طفولتنا
الفعل السردي لا يزال ذا حضور ونفوذ رغم تطور المشهد الثقافي
قيمة السرد الروائي تكمن في تعويض النقص الجوهري في المنظومة الثقافية
في ماهية الرواية .. إبحار أدبي في متون السرد

بقلم - جهاد فاضل :

هذا الكتاب للباحث المغربي الدكتور الطيب بوعزة حول ماهية الرواية، يحيط بجوانب شتى من هذا الفن الذي قضى على الشعر قضاءً مبرماً أو شبه مبرم، أو على الأقل حوّله إلى فن نخبوي تقتصر قراءته على جمهور لا يتجاوز العشرات في هذا البلد أو ذاك. حلّت الرواية محل الشعر واكتسحت ليس فقط سوق المكتبات بل الحياة الأدبية والثقافية. ويبدو أن السرد كان في البدء، كما يقول بوعزة، وليس الشعر، أي عكس الشائع. أما السبب فلأنه إذا كان ثمة جنس أدبي يبدأ في تكوين وعينا وتشكيل أسلوب إدراكنا لذواتنا وللوجود منذ طفولتنا وبدء تفتح قدرتنا الذهنية، فلا شك أنه الرواية. إذ منذ الصغر يسكننا ذلك العشق الغريب لفعل السرد، فنلح على من يحيط بنا لكي يحكي ويسرد ويقصّ.

لا يشدّ الوجدان الطفولي أكثر من أمرين اثنين: اللعب والسرد. ولعل السرد لعب من نوع آخر، لعب بذواتنا والوجود، وتقليب لهما على أنحاء متغايرة، لعل منفذاً إدراكياً ينفتح أمامنا لفهم ألغازهما.

ورغم تطور الوجود الثقافي البشري وتعدد مبتدعاته وتنوعها، لا يزال الفعل السردي ذا حضور ونفوذ. ورغم تنوع أنماط الفكر والقول، لا يزال النمط الروائي اليوم أكثر أجناس الكتابة مقروئية. ولا تزال الرواية نابضة بدفق الحياة، بل نرى أن دليل اشتغال النبض في كيانها هو تجددها وتطور أشكالها. أما لو توقف وجمد ذلك النبض، فإن هذا ما يسوّغ القول بأفولها ونهايتها، وليس العكس.

حضور نبض الحياة داخل الرواية ينبغي أن نفهمه بمعنيين:

- الأول هو حيوية نظامها وبنيتها.

- والثاني هو وجود تعالق صميمي بين الرواية والحياة ليس فقط في حيوية شكلها وحراك أساليب انتظامها، بل أيضاً في اتصالها الوثيق بكينونة الإنسان في العالم.

ولعل هذا ما يفسر القيمة الاستثنائية التي يحظى بها السرد الروائي وقدرته على أن يكون أكثر الأشكال الإبداعية جاذبية للقارئ. فليس اعتباطاً ولا مجرد صدفة أن يجد غالبية القراء خلال المائتي سنة الماضية في الرواية الشكل الأدبي الذي يرضي رغباتهم على أقرب وجه من حيث التطابق التام بين الحياة والفن.

وفي وقتنا الراهن لا وجود لشكل أدبي يتمتع بالقوة التي تتمتع بها الرواية، إذ إننا نستطيع أن نربط بها بطريقة دقيقة كل الدقة حوادث حياتنا اليومية التي لا قيمة لها في الظاهر، والأفكار، والحدس، والأحلام التي هي ظاهريا أكثر ما تكون بعداً عن لغتنا اليومية.

في هذا يرى الباحث المغربي فرادة السرد الروائي ومكمن قيمته، أي قدرته على الإنصات إلى الكينونة والتعبير عنها. وبهذا «نزعم أن فن السرد التزم الدرس الفينومينولوجي قبل ظهور الفينومينولوجيا. وعبّر عنه بأسلوب أقدر من أسلوبها الفلسفي التجريدي. وهنا يمكن أن نستحضر مقاربة ميلان كونديرا لقيمة المتن الروائي من خلال بيان التحليل الفينومينولوجي لأزمة الفكر الأوروبي مع هوسرل وهيدغر، وهو التحليل الذي يمكن اختزاله فيما أسماه هوسرل بأزمة الإنسية الأوروبية، أو ما أسماه هيدغر بنسيان الكينونة.

إذ يتوقف كونديرا عند النتيجة التي خلص إليها هوسرل وهيدغر في تشخيصهما لأزمة الإنسية الأوروبية، وهي النتيجة التي تؤكد أن العلم والفلسفة قد نسيا كينونة الإنسان. بيد أن كونديرا يعترض على نسيان آخر في هذا التشخيص، وهو نسيان هذين الفيلسوفين وعدم انتباههما إلى أن ثمة جنساً ثقافياً لم ينس هذه الكينونة وهو الجنس السردي الروائي.

يقول كونديرا: «إذا كان صحيحاً أن الفلسفة والعلوم قد نسيا كينونة الإنسان فإنه يظهر بوضوح أن فناً أوروبياً كبيراً قد تكوّن مع سرفانتس، وما هذا الفن إلا سبر هذا الكائن المنسي».

إن قيمة السرد الروائي تكمن إذن في تعويض هذا النقص الجوهري في المنظومة الثقافية، الذي تسبب فيه النسقان العلمي والفلسفي. وإذا كان المشروع الفينومينولوجي يهدف إلى استعادة هذا الكائن المنسي، فلا بد لهذا المشروع من أن يعترف للسرد الروائي بدوره وريادته في الانتباه إلى قيمة العودة إلى الكينونة الإنسانية. إن جميع الثمات الكبرى التي يحللها هيدغر في كتابه «الكينونة والزمان» معتبراً أن الفلسفة الأوروبية السابقة قد أهملتها، إنما تم الكشف عنها، وبيانها، وإضاءتها، بواسطة الروايةّ بل إن الرواية منذ تأسيسها ما طلبت غير سبر لغز هذا الكائن.