دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 31/8/2019 م , الساعة 3:50 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الكتاب عكس تجربة الشاعر الثرية في العديد من العواصم خارج العراق

أوراقي في المهب ..خواطر توثق منافي سعدي يوسف

شاعرية نزار أوصلت القصيدة العربية إلى الناس فتياناً وفتيات
يهجو سعدي في «أوراق» أخرى عدة شعراء عراقيين منهم عبد الوهاب البياتي
السياب انتصر للقصيدة الطويلة أكثر من أبناء جيله
معظم المثقفين والمبدعين العرب يقفون مع الرابح لا مع الخاسر
العراق لدى سعدي يوسف ليس خبزاً يومياً بل تكوين في الروح
أوراقي في المهب ..خواطر توثق منافي سعدي يوسف
جهاد فاضل

كتاب «أوراقي في المهب» ..أوراق للشاعر العراقي سعدي يوسف كتبها في لندن وفنزويلا وشنغهاي في الصين، وباريس ونانت في فرنسا، والقاهرة والأقصر وسوى هذه الأمكنة من بلاد الله الواسعة التي جابها وهي عن موضوعات متعدّدة.

عن الشعر وعن ماركس وجيفارا وعن السياب ونزار قباني وعبدالوهاب البياتي ونجيب محفوظ ولويس عوض، وعن ابن المقفع وجيرمي كوربن وحزب العمال البريطاني دون أن ننسى تروتسكي وكيف قُتل في منفاه المكسيكي، والأغنية العراقية يا نبعة الريحان. خواطر متعددة متفرقة أكثرها من وحي أسفار الشاعر وجولاته في الأرض وفيها الطريف والغريب.

يقول سعدي إنه التقى نزار قباني قليلاً، وإنه اشترك معه في قراءات شعرية في القيروان بتونس،ويروي أن نزار قال له ناصحاً: لا تربك نفسك وجمهور القاعة اختر قصائدك بدقة. اطبعها ضعها متسلسلة ثم اقرأ قصائدك واحدة بعد أخرى،لا تكن مثل موزع بريد مرتبك. ويضيف: أصدر نزار ديوانه الأول «قالت لي السمراء»، فكان لصدوره رعشة الفجاءة، كنا اعتدنا عفة اللسان لدى علي محمود طه،وإبراهيم ناجي،ومحمود حسن إسماعيل،بل حتى الأخطل الصغير،كما اعتدنا صوفية إلياس أبو شبكة المترجمة بين جحيم بودلير وطهرانية نوفاليس،أما أن يأتي شاعر فتى ليعلمنا كيف نتعامل مع المرأة، فقد كان الأمر عجباً ما بعده عجب.

ويشيد بنزار الذي أوصل القصيدة العربية إلى الناس فتياناً وفتيات،وهكذا تألقت نصوصه أغاني: أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، فيروز، نجاة الصغيرة، ماجدة الرومي، فايزة أحمد، أصالة، لطيفة، طلال المداح، لكن أسوأ مصير لقيته قصائده كان فيما «غناه» كاظم الساهر. كان الأمر كارثة فنية كيف تحمل نزار هذه الوطأة كلها؟ لِمَ لمْ يُوقِف الرجل عند حده؟

يشيد سعدي بالسياب وقصائده الطويلة: بدر شاكر السياب اهتم أكثر من مجايليه بالقصيدة الطويلة، وكتب عدداً مرموقاً منها: «الأسلحة والأطفال» و «حفار القبور»، لكننا في استعادة ما احببناه من قصائد بدر الطوال هذه سوف نطبق مقولة إدغار ألن بو، حين نترنم بمقاطع مثل:

عصافير أم صبية تمرح

أم الماء منجرة ينضح

ويهجو سعدي في «أوراق» أخرى عدة شعراء عراقيين منهم عبدالوهاب البياتي كبير الهجّائين في الشعر العربي المعاصر:

كان عبدالوهاب البياتي، إياه، مسؤولاً عن المثقفين البعثيين الذين أرسلهم عدي صدام حسين إلى عمَّان ليتدبروا أمرهم في اللجوء أو العمل بعد أن نضب ما بين يديه من مورد. البياتي كان يتلقى مرتبه الشهري من وزارة التربية الأردنية بموجب ترتيب خاص بين الحكومتَين العراقية والأردنية.

ويتحدث عن رامبو في هرر المدينة الأثيوبية: شاعر أبيض شهير يعيش مجهولاً في بلدة مسوّرة بين أميين وجهلة. كان متكسباً متوحداً في مجتمع منظم من النخاسين، رأسه يضج بالشطحات السوريالية والتعابير الشريرة بالرغم من أنه لا ينطق بلغته الفرنسية إلا متكتماً.

الأفارقة لا يرونه إلا إفرنجياً عليلاً آخر في بذلة مهلهلة يتجول في السوق المنتن. الشاعر الذي كتب في التاسعة عشرة «ينبغي أن نكون محدثين» هو الآن يكاد يكون في الثلاثين وقد شاب قبل الأوان يدوّن بضربات من قلم حاد في سجل شركة، أوزان أنياب الفيلة وأكياس البن التي ستحملها قافلة جمال إلى الساحل، حماساته غير المتوقعة وضعته في حالة فريدة شأنها شأن لونه. نطقه باللغة العربية، معرفته القرآن، شغفه بالفوتوغراف، ويعرّج على تروتسكي وجيفارا وبخاصة كيف مات كل منهما ميتته المأساوية:

في العشرين من أغسطس ١٩٤٠ جاء رجل يدعى جاكسون إلى بيت تروتسكي في المكسيك، كل مَن في البيت كان حذراً من خطر القتلة الذين قد يرسلهم ستالين، لكن جاكسون استطاع أن يقنع الجميع بأنه تابع مخلص.. ولكنه قتل تروتسكي لاحقاً، وتضمنت شهادته ما يأتي :»كنت وضعت معطفي المطري على قطعة أثاث. أخذت فأس الثلج وأغمضت عيني وأهويت بالفأس على رأسه بكل قوتي». لقد توقع بعد ضربته الجبارة أن يموت ضحيته بدون أن تصدر منه نأمة، كما توقّع هو أن يخرج من البيت ويختفي قبل أن يكتشف الأمر، بدلاً من ذلك أطلق الضحية صرخة مدوية وثب تروتسكي مهشم الجمجمة ممزق الوجه ورمى على القاتل كل ما بلغته يداه من كتب ومحابر وسواها، ثم رمى بنفسه على القاتل، حدث هذا كله في دقائق ثلاث أو أربع، الصرخة النفّاذة الرهيبة نبهت الحراس وناتاليا زوجته، لكنهم أخذوا وقتاً قبل أن يتأكدوا من مصدر الصرخة ويسرعوا نحو الموضع.في تلك الدقائق دار صراع عنيف كان آخر صراع يخوضه تروتسكي، وقد خاضه كالنمِر، أمسك بالقاتل وعضّ يده وانتزع فأس الثلج من يده.صعق القاتل فلم يوجه ضربة ثانية ولم يستعمل مسدساً أو خنجراً.تروتسكي الذي لم يعد قادراً على الوقوف منتصباً ولم يشأ أن يسقط تحت قدمي عدوه ترنّح متراجعاً إلى الخلف وعندما أسرعت ناتاليا ودخلت المكتب رأته واقفاً في المدخل بين غرفة الطعام والشرفة مستنداً إلى إطار الباب، كان الدم يغمر وجهه، ومن خلال الدم كانت عيناه الزرقاوان وهما بلا نظارتين، تشعّان أشدّ من المعتاد، وكانت ذراعاه تتدليان بارتخاء، ناتاليا أحبك.. ردّد الكلمات على نحو غير متوقع وضعت وسادة تحت رأسه المهشم، وقطعة ثلج على الجرح، ومسحت الدم عن جبهته وخديه وبعد أن أكملت نزع ملابسه انحنت عليه، وكان ذلك وداعنا الأخير.

في الكتاب فصل آخر عن الساعات الأخيرة لتشي جيفارا في كبرادا دل ريو، كان عامل منجم بوليفي يقود مجموعة الثوار،تشي خلفه، مصاباً في ساقه عدة إصابات، الأعداء يصوبون النار عليه، اخترقه رصاص كثير أصيب ثانية في ساقه اليسرى وسقطت بندقيته من يده، واخترقت ذراعه وعندما اقترب منه جندي صاح به: لا تطلق النار أنا تشي جيفارا. سعري حياً أكثر من سعري ميتاً.بعد ذلك أُخذ جيفارا أسيراً.ضباطٌ ذوو رتب عالية كلفوا تنفيذ إعدامه.استقرت القرعة على العريف حاييم تيرؤون (الاسم كما لو أنه ليهودي). يذهب تيرؤون إلى المدرسة ليعدم تشي يجده ملتصقاً بالحائط يسأله تشي أن ينتظر دقيقة ليقف. يرتعب تيرؤون ويفرّ هارباً لكنّ ضابطَين يأمرانه بالعودة.كان لا يزال يرتعد حين عاد إلى غرفة المدرسة، وجّه الرصاص، بدون أن ينظر في وجه تشي، إلى صدره وجنبه. جنود آخرون كانوا يريدون أن يطلقوا النار أيضاً دخلوا الغرفة وأطلقوا عليه النار.

وحول الثقافة العربية القديمة والحديثة فصول شتى «أرى بالرغم من اعتراضات عدة أن الشعر لا يزال ديوان العرب، أقول هذا ليس في معرض مفاضلة نافلة بين الشعر والرواية، فالأنواع الأدبية متداخلة، متآخية يشد بعضها بعضاً، كم من روائي بدأ شاعراً، وكم من شاعر انتهى روائياً، إلا أن المشهد الحالي لساحة الإبداع وهو مشوش، غير مستقر بل باهت يدعوني إلى أن أكون أهدأ وأرحب نفساً مع أن هدوء النفس هذا قد يأتي إلى نتائج لا تسر أحداً. ديوان العرب مأهول لكن أيام الجاهلية الأولى.

ويروي حكمة إنجليزية ترجمتها إلى العربية كالآتي:»خير ألا يحتلب المرء بقرة ميتة» ويضيف :» أعني بالبقرة الميتة ثقافة العرب الراهنة».

ويروي هذه الحكاية عن عبدالله بن المقفع صاحب كليلة ودمنة: شوهد عبدالله بن المقفع في المسجد، فقال له أحدهم: ما أتى بك هنا وأمس كنت تزمزم في بيت نار؟

(في هذا تلميح إلى مجوسيته)

ردّ عبدالله بن المقفع: كرهت أن أبيت على غير دين!

وتحت عنوان في مديح الخسارة، يكتب أن تقرأ «إنيادا» فرجيل، شاعر روما (٧٠م- ١٩ ق.م) وأنت في هدأة العمر، نعمة كبرى، ومردّ تلك النعمة إلى إنعام النظر الذي أتاحته لك هدأة العمر، وإلى ما كسبته من قدرة على الحكم والاحتكام.أنا أقرأ الإنيادا في ترجمة جديدة من العام ١٩٦١، أداها خير أداء، ألن ما ندلباوم من جامعة نيويورك سيتي. الإنيادة تتحدث عن هزيمة طروادة على أيدي الإغريق الذين استعملوا خدعة من خدع الحرب هي ما نسميه اليوم حصان طروادة.استطاع إينياس الذي خلع فرجيل (اسمه على القصيدة العظيمة التي استغرقت كتابتها أحد عشر عاماً من عمر فرجيل غير المديد) الهرب من طروادة المحترقة ليبلغ قرطاجنة، ثم إيطاليا ليؤسس ملكاً وبلاداً وحضارة ظلت قائمة حتى اليوم في إيطاليا الحديثة.

أي خسارة هذه التي أنجزت فيما بعد فتحاً ليس مثله فتح!

بعد ذلك يضيف سعدي يوسف:

سئل فيديريكو جارسيا لوركا، شاعر غرناطة العظيم، والحرب الأهلية الإسبانية في مستهلها:

مع من أنت؟

أجاب لوركا:

الشاعر مع الخاسر!

والحديث ذو شجون، كما يقال.

لكم يحز في نفسي وأنا أطل على المشهد الثقافي أن أرى معظم المثقفين والمبدعين العرب، يقفون مع الرابح لا مع الخاسر، مع الغني الفاحش لا مع الفقير البائس، مع الظالم لا مع المظلوم.ولكم يحز في نفسي أن أرى حاضرة عربية استعمرت خديعة، بحيلة ليست بعيدة عن حصان طروادة تستكين إلى هزيمتها، ولا أرى من يرفع حتى صوته، لا سيفه، احتجاجاً.

ليس من إينياس في هذا الزمن

إذن ليس من الانيادة

لكن الأمور ليست مفصلة بهذا اليسر، على المستعمر والمحتل.

سوف ينهض إينياس العربي كالعنقاء

ولسوف يبني المدينة الفاضلة، كما بنى إينياس روما في مديح عجيب للخسارة.

يقيم الشاعر سعدي يوسف كما يُفهم من بعض فصول كتابه في إنجلترا، ويبدو أنه حصل على الجنسية البريطانية وانتسب إلى حزب العمال الذي يرأسه جيريمي كوربن، كما أنه ينشط في هذا الحزب مع أنه يصف نفسه بأنه عضو بسيط في هذا الحزب.ولكن يتعين علينا ألا نظن أن الشاعر فقد عراقيته أو نسيها. ففي «أوراقي في المهبّ» ما يؤكد هذه العراقية واستحالة فقدانها، من ذلك هذه القصيدة التي تدل على الطبع العراقي الحار لسعدي:

في العراق المدوخ بالطلقات- في العراق الثقيل- في العراق الجميل - في العراق الذي جمل المذبحة - في العراق الذي دوَّن المذبحة- فوق بردية- فوق سعف النخيل- في العراق الذليل- في العراق المسمى- في عراق أسميه وهماً- في عراق نحيل- ذاهب في خيوط القميص- في عراق صغير- ذائب في عروق اليدين- في عراق شغيف- ساكن عتمة المقلتين- في عراق خفيف- دائر في دمي.أنزع الآن في السر أوراق وردة- أترك الوخذ وحدهْ- ثم أمضي إلى آخر الكون مستنزفاً بالعراق.

وفي كتاب سعدي عراقيات أخرى لا عد لها ولا حصر تدل على مثل هذه العراقية عند سعدي، منها قطعة بعنوان « يا نبعة الريحان» يمهد لها الشاعر بالكلمات التالية:

قبل أعوام تذكرت أغنية عراقية قديمة من الموروث الشعبي مطلعها:

يا نبعة الريحان- حني على الولهان

و في منتآي اللندني في موهن من ليل رطب، طفقت أترنم:

يا نبعة الريحان

حني

إنني أرنو إلى من جاورتني في دمي

أرنو إليك

إليك وحدك: لا شريك ولا شريكة

إنني أرنو إليك

بكل ذلي

كل حبي

كل ما يسع الأذى

يا نبعة الريحان

....

يا نبعة الريحان

حني

إنني الولهان

حني

الليل أقسى، والحياة أشق إن لم تصطفيني

أو تحني

يا نبعة الريحان!

ويرد «الريحان» في صفحات أخرى من كتاب سعدي كما يرد العراق الذي هو الروح والريحان عند سعدي، رغم أنه انتسب كما قال إلى حزب العمال البريطاني وأبدى إعجاباً شديداً بزعيمه جيريمي كوربن.فها هو يهفّ إليه عندما يراه في البر الغربي في مصر: قلت لنوبي أحمد وأنا أفرك ما تيبّس من زهر على الريحانة: أريد أن أزرع الريحان في لندن!

قال لي: سآتيك بالغلة (يعني البذور الناشفة)

ثم جاءني بحفنة.

في أوتيل لوتس حيث أقمت،عقدت صداقة شبه صامتة مع البستاني (الجنايني كمال يقال في مصر).أحييه كل صباح وأسأله عن النبت والعناية بالنبت.قلت له: معي بذور ريحان سأحملها إلى لندن، أتظن الريحان ينبت هناك؟

أجابني واثقاً، وهو يمسّد أوراقاً من نبتة ريحان في حديقة اللوتس:

تنبت!

ولقد صدق حرٌّ ما وعد.

في أصيص بنافذة لندنية تفتحت البذور، بذور ريحان البر الغربي!

هكذا كالمعجزة

بعد سبعة أيام!

إذن سأعود إلى الأقصر، إلى برها الغربي وسوف أقيم في فندق شهر زاد حيث حديقة الريحان!

والعراق عند سعدي يوسف كما يرد في موضع آخر من كتابه:

«العراق لدي ليس خبزاً يومياً، أو متابعة لوحل السياسة الراهنة، إنه تكوين في الروح ومكون لها

النص الفني بذاته يعني أن العراق قائم وفعّال»!

إنها خواطر جميلة من كل فن، بلا إشباع ولا كفاية، كما يقول إخوان الصفا عن رسائلهم، ولا تقل كفاءة وجودة عن شعر سعدي.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .