دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 14/9/2019 م , الساعة 1:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الشاعر العبّاسي الكبير حاضراً رغم مرور مئات السنين على وفاته

شعر أبي تمام .. يثير جدل النقاد قديماً وحديثاً

شعر أبي تمام .. يثير جدل النقاد قديماً وحديثاً

·        الدكتور غازي القصيبي: عشرون بيتاً في شعر أبي تمام لها قيمة والباقي يستوجب الإهمال

·        شعره حظي بنصيب وافرٍ من الغموض والغرابة والبعد والخروج عما جرى به المألوف

·        بعض النقاد القدماء اعتبره أعظم شعراء العرب على الإطلاق ويتفوق على المتنبي

·        الحياة المترفة في العصر العباسي أثرت على لغته الشعرية من حيث الزينة والتنميق

·        النقاد لمسوا في شعره وعورة وغرابة للفظ واشتغالاً بالبديع حتى خرج عن عمود الشعر

·        خالف شعراء عصره والسابقين في نظمه أغلب قصائده على بحر الكامل ثم الطويل

 

بقلم / جهاد فاضل :

لم يخطئ الدكتور سعيد السريحي في كتابه عن شعر أبي تمام عندما خصّص فيه بابَين جعل الأوّل تحت عنوان «أبو تمام في مرآة النقد القديم»، وجعل الثاني تحت عنوان «رؤية النقد الجديد لشعر أبي تمام»، ذلك أنه أحاط في هذَين البابَين بصورة أبي تمام من زاويتَين اثنتَين: زاوية النقد القديم وزاوية النقد الحديث.

فالزاويتان مُختلفتان في النظر إلى الشاعر العبّاسي الكبير اختلافاً كبيراً، ومن شأن التقائهما في هذا البحث ما يقدم فائدة جلَّى للناظر في هذا الشاعر الذي تتعدّد وتتصادم الآراء حول شعره، فمقابل الشاعر أو الناقد السوري أدونيس الذي يتعامل مع أبي تمام تعاملاً ورعا، إذ يراه شاعر حداثة من الدرجة الأولى، نجد شاعراً آخر هو الدكتور غازي القصيبي الذي قال مرة في بحث له عنه إنه من بين كل الشعر الذي كتبه أبو تمام لم يجد له سوى عشرين بيتاً لا غير لها قيمة أو أهمية، أما الباقي فمستوجب الإهمال. فأبو تمام إذن ليس واحداً عند النقاد المعاصرين، بل هو أكثر من أبي تمام واحد. وقد مرّ السريحي في كتابه على آراء كثيرة متناقضة ومتصادمة حول هذا الشاعر الذي يضعه القدامى والمحدثون، بوجه عام، في عداد شعراء الفئة الأولى في التراث، فلا يقلّ شأنُه عن شأن أبي نواس وتلميذه البحتري والشريف الرضي، والمتنبي والآخرين من جاهليين وغير جاهليين، رغم كل ما أخذه عليه النقاد والبلاغيّون القدامى من مآخذ. فإذا كان الوضوح والإلف وقرب المأخذ وسهولة التناول من أهم مقوّمات جودة الشعر لديهم، فقد أخذ شعر أبي تمام بنصيب وافرٍ من الغموض والغرابة والبعد والخروج عما جرى به المألوف. وإذا كانت السلاسة واللين والرقة والعذوبة من شروط فصاحة الشعر، فقد لمس النقاد في شعره شيئاً غير قليل من الوعورة والحوشية والثقل وحزونة اللفظ وغرابته، وإذا كان المقام ومقتضى الحال يتطلب من الشاعر أن يحترز في شعره فيتجنّب الألفاظ الزرية والمشتركة والمعاني الغامضة، فإن أبا تمام قد صكّ وجه ممدوحه حينما جاء مدحُه، في رأي النقاد، مُتنافياً، وخطابُه متجافياً.

والواقع أن أشدّ الظواهر إشكالاً في شعره تلك التي تتعلق بجانب البديع، فقد كان لا يخرج عند النقاد والبلاغيين عن كونه ضرباً من ضروب الصنعة يتوسّل به إلى تجميل الصياغة وزخرفتها وتزيينها بما يتوافر فيها من العناصر الجميلة كالاستعارة والطباق والجناس، ولذلك كان من أهمّ مآخذهم على أبي تمام أنه قد أكثر منها وأسرف فيها وبالغ حتى خرج عن عمود الشعر.

ومع أنّ القدماء أخذوا على أبي تمام ما أخذوه، وهو كثير، إلا أنّهم كانوا يُدركون أنه رأس في الشعر، وصاحب مدرسة مبتدئ لمذهبٍ، وإمام الناس شعراً ومعرفة بالشعر، بل أن بعض النقاد القدماء اعتبره أعظم شعراء العرب على الإطلاق، فذهب إلى أنه أشعر من المتنبّي ومن غير المتنبّي عند كل عارف يعرف البيان من الفصاحة والبلاغة.

ويرى سعيد السريحي أن وقوف النقاد والبلاغيين عند أحكام ومعايير محددة قصر بهم عن استيعاب لغة أبي تمام الشعرية على ما يتصوّرها النقد الحديث.

ولعل مردّ ذلك إلى جملة من العوامل من أهمّها: التشبث بنموذجية محددة التعبير استخلصوها من العشر القديم وأضفوا عليها صفة الثبات بحيث لا يصح الخروج عنها إلى سواها، وبهذا لا يستوعب البعد الشعري الجديد لأي تركيب لغوي جديد إلا في ضوء استجابته لما استقرّ في الأنفس من إدراك للشعر القديم. ومن تلك العوامل الجمود على المعنى الوضعي للكلمات، وأساس الشعر أن يفرّ الشاعر بالكلمة إلى معانٍ أخرى يتلمّس بها إعادة الشاعرية إلى اللغة التي تفقدها تدريجياً بسيطرة الجانب العقلي في الكلمات على سواه وخاصة الجانب الانفعالي الذي يستبطن تجربة الإنسان الأولى مع الأشياء وتعاطيه الوجداني لها. ومن تلك العوامل سيطرة الواقع الخارجي والمعيارية العقليّة على عالم الشعر والاحتكام لها في الكشف عن مُستوى الصحة والخطأ في الرؤية الشعريّة للأشياء. ومن هنا اعتبر الخيال الذي يعد الأصل في الصورة الشعرية تالياً للمعنى العقلي المنطقي واتخذت الاستعارات على أنها نقلٌ للألفاظ لا تخرج به عن حدودها العقلية ثم تجزئتها على وجه لا تنضح فيه وظيفتها في الشعر، فلا تزيد عن كونها مجالاً لتحسين المعنى الأصلي وتزيينه أو تقريبه وتبريره، وفي إطار المعنى العقلي نُظر إلى الجناس والطباق وسواهما من عناصر لغة أبي تمام الشعرية على أنه من باب الصنعة التي تزين الشعر، وبذلك فقدت لغة الشعر أصالتها في منظور الفكر البلاغي والنقد القديم، وظلّت جملة كبيرة من أبيات أبي تمام تتداولها كتب النقد والبلاغة وأخبار الشعراء كأمثلة على أخطائه وإحالاته وإسرافه في الصنعة وبعده في طلب الغريب.

ومع أن أكثر نقّاد العصر الحديث قد ذهبوا إلى أن أبا تمام عبقري ملهم، وفي المقدمة من شعراء العرب الخالدين فتح للشعراء والأدباء أبواباً من الفن الرفيع، فكان القمة الشامخة التي بلغ إليها فنّ الشعر العربي، إلا أن جل أحكامهم عليه لا تكاد تخرج عن أحكام القدماء من حيث أنه حرص كل الحرص على جمال الصنعة الفنية، فتتبعها وأسرف في تتبعها حتى خرج إلى المحال ووقع في التكلف. كما هيمنت على جانب كبير من دراساتهم معايير الحتمية العلمية التي لا تخرج بالظاهرة الفنية عن كونها إفرازاً لجملة من أحوال النفس وظروف المجتمع، فلغة أبي تمام الشعرية لا تتجاوز أن تكون ثمرة من ثمرات حياة الترف التي عاشها العصر العباسي، فهي ضرب من ضروب الزينة والتنميق التي عاشت في هذا العصر. أما النقاد الذين تحرَّوا تطبيق المنهج النقدي الحديث وما يعتدّ به من أصالة لغة الشعر في الكشف عن أبعاد الرؤية الشعرية عند أبي تمام فقد كانت المواضيع المحددة التي توجهت إليها دراساتهم لم تكن تسمح لهم ببحث الأبيات التي عيبت عليه بحثاً مستفيضاً يكشف ما تتمتع به من أصالة ويزيل ما يحيط بها من لبْس وإشكال.

من هنا رأى الباحث الحاجة ملحة لإعادة النظر فيما اعتاد النقاد والبلاغيون عيبه على أبي تمام والتمثيل به على أنه من سقطاته وهفواته وَفق منهج يتوخى تأصيل لغته الشعرية والكشف عن أبعاد الرؤية التي تتسلّط على أبعاد الشعر عنده فتحرّكها شكلاً ومضموناً حتى تخرج بها عمّا هو مألوف ومعتاد وتسمها بسمة التفرد والتميّز والغرابة، وبالتالي إنصاف أبي تمام وإعطاء شعره قيمة حضارية تكشف ما يحتضنه من تجربة إنسانية خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان وتستعلي على كل معيارية تحاول حصر الآفاق القصوى للرؤية الشعرية في بوتقة محددة تحديداً يتجاهل أشواق الإنسان وتطلّعاته إلى اللامتناهي والمطلق.

ويقدم السريحي آراء عددٍ من الباحثين المحدثين عن أبي تمام وشعره. فالعقاد رفض أن يعتبر أبا تمام شاعراً إنسانياً ممتازاً، لأن المقياس الإنساني الصحيح للشاعرية الممتازة لديه هو أن يكون للشاعر عالم، وليس أبو تمام بصاحب عالم، ولكنه صاحب إجادات يجيد في هذا المعنى أو ذاك دون أن يعرض لك العالم في حالة من حالاته، ويبدو أن الذي حدا بالعقاد إلى مثل هذا الحكم هو تصوره أن البديع لا يزيد عن أن يكون حلية للشعر ليست بذات قيمة في حدّ ذاتها.

وقد وسم محمد مندور أبا تمام بالإسراف وصفاقة الذوق والصنعة الباطلة. وعدّ أنيس المقدسي ظاهرة التأنق البديعيّ من أهم صفات أبي تمام وتتجلّى في الاستعارة والطباق والجناس، وضرب لذلك عدة أمثلة وصفها بالفساد وشدة التعسّف والإسراف في الصناعة. وحينما تحدّث عن إحسان أبي تمام وتفنّنه المعنوي، قال:»إن من يراجع ديوانه برويةٍ وصبرٍ على تحليل معانيه يجد من بدائعه الشعرية ما لطف من وصف أو مجاز أو حكمة أو لبس لباساً قشيباً من البلاغة.

ويتصوّر محمد نجيب البهبيتي أنّ أبا تمام يرى الأشياء والأحداث بأرقِّ الحواس وأعرقها في الشاعرية، فإذا فرغ عنده عمل الحاسة، بدأ عمل العقل، فيأخذ في تحليل المشاعر والضرب في أنحائها حتى إذا وجد المعاني التي يبتغيها فنظمها ورتّبها انقلب إلى إبرازها في ألفاظ يرصّها في تؤدة وينمّقها في اطمئنان، فيلائم بين أجراسها وألوانها ويقابل بين الفكرتين ويراعي اللفظ وقسيمه.

وحينما تحدث عبدالعزيز سيد الأهل عن دلائل عبقرية أبي تمام، ذكر أن أهمّها أنه ألبس المعاني القديمة أو المبتكرة أثواباً من الألفاظ لم تكن لها من قبل. وعندما تطرق للحديث عن اختلاف النقاد القدماء حول عدد معاني أبي تمام، قال: إنما يرجع ذلك إلى أسلوب أبي تمام في أداء المعاني، فقد يكون المعنى موجوداً من قبل وهو مهمل، ولكنه يصير جديداً في ألفاظه ولا تخرج صور الشعر في مفهومه عن أن تكون إيهاماً وتخييلاً لا حقيقة له، فعندما تطرق لبيت أبي تمام:

مطر يذوب فيه الصحو وبعده

صحو يكاد من الغضارة يمطر

وهو من قصيدة في مدح المعتصم مطلعها:

رقت حواشي الدهر فهي تمرمر

وغدا الثرى في حَليه يتكسر

قال: والمعروف أن السحب إذا أسرفت في التكاثف وجرت عليها عوامل الأمطار أمطرت، فوجب أن النضارة متى أسرفت في الصفاء أن تمطر وهو باطل لأنه إيهام وتخيل والعلة في الاختلاف ظاهرة.

أما الدكتور شوقي ضيف فقد اعتبر أن ظاهرة البديع التي تجلّت في شعر أبي تمام وقبله في شعر مسلم بن الوليد، وبشار بن برد ليست سوى ضرب من ضروب الزينة والتنميق، ولذلك جمع بينها وبين فنون الزخرفة الأخرى التي شاعت في العصر العباسي وسواء في الملبس أو المأكل أو المشرب أو المسكن وبهذا لا تخرج عن كونها ثمرة من ثمرات حياة الترف التي عرفها المجتمع العباسي عامة وشعراؤه خاصة.

أما الدكتور جميل سلطان فقد رأى أن تكلف أبي تمام للصنعة كان سبباً في فساد معانيه وسخفها.

وذهب خضر الطائي إلى أن إفراط أبي تمام في الصنعة هو الذي أدّى به إلى مخالفة السنن المأثورة عن العرب في بيانهم، فقد كان يتكلف أحياناً في صوغ المعاني فيسوقه ذلك إلى الإغراب.

وذهب عبدالكريم اليافي إلى القول بأن تفكير أبي تمام قائم على مراعاة التضاد في أغلب الأمور، ولذ يصح أن ينعت في وقتنا الراهن بالجدلي الديالكتيكي، فهو أبو الجدل الحديث المستند إلى التغيير والحركة، ولكنه إنما انتهج الجدل في شعره، فقد كان ذا مذهب شعري مبتكر، وإن مسّ هذا المذهب الشعري الفلسفة، كما أن هيغل بعده بأحقاب كان ذا مذهب فلسفي جديد، وإن كانت دعائمه تستند إلى اعتبارات فنّية.

حول موسيقى شعر أبي تمام يقول الباحث إن الآمدي عقد باباً في الموازنة تحدث فيه عما رآه من كثرة الزخارف واضطراب الوزن في شعر أبي تمام، وبعد أن يقدم أمثلة وافية على ذلك، يقول إننا إذا استعرضنا شعره جميعه للوقوف على البحر الغالب، فإننا سنجد أن ٣٢ بالمائة من شعره قد جاء على البحر الكامل، وأن هذا البحر يحتل المكانة الأولى، والطويل المكانة الثانية بنسبة ٢٢ بالمائة، يليه البسيط ونسبته ١٨ بالمائة فقط، وذلك مخالف لأكثر الشعراء في عصره وقبل عصره، فقد ظلّ البحر الطويل يحتل المكانة الأولى في أشعارهم، يليه البسيط وربما تقدّم عليه عند بعض الشعراء، بينما ظل الكامل ثالث بحر في أشعارهم إلا عند أبي تمام، فإن هذا البحر يحتل المركز الأول وبنسبة لافتة للنظر جعلت الباحث السوداني الدكتور عبدالله الطيب يقول: «أبو تمام دائماً عقدة من العقد يخالف الناس في أكثر ما يأتي به، ويأبى مع ذلك إلا أن يجيء سابقاً ومجلياً ومن مخالفاته أنه جعل الكامل ميداناً لتعمقه وتأمله حتى صار عنده أشد ملاءمة لذلك من سواه من البحور.

والحركة التي تطغى على موسيقى شعره وتكمن خلف كثير من ظواهره العروضية، لا يمكن أن تنفصل بأي حال من الأحوال عن تلك الرؤية الشعرية التي كانت تحدد رؤيته إلى الأشياء، فهو يراها متحركة، يراها في لحظة الصيرورة، لذلك فهي لا تعرف حدوداً صارمة لديه، الأشياء تتداخل وتتفاعل ويفضي بعضها إلى بعض في حركة دائبة لا تنتهي إلا لتبدأ مرّة أخرى.

وهي حركة عنيفة بعيدة الغور تفضي بالشيء إلى نقيضه والضد إلى ضده.

وما الطباق إلا صورة من صور تجلّي هذه الحركة التي تقفز بالشاعر بين النوافر وليس الجناس في جوهره إلا حركة كامنة خفيفة تتسرّ ب خلال تشابه صوري يربط بين الكلمات، وانتشارهما في شعره لا يفسر إلا بذلك الصراع العنيف الذي ينتظم شعره كله، حتى أنه يقول:

وقوافٍ قد ضجّ منها لما استُعمل

فيها المرفوع والمخفوض

كما يقول:

تغاير الشعر فيه إذ شهرت له

حتى ظننت قوافيه ستقتتل

يعلم أن الداء مستحلِسٌ

تحت جَماح الفرس الراتع

والطائر الطائر في شأنه

يلوي بحظ الطائر الواقع

والشعر حينما يستنبط هذه الحركة يصبح نوعاً من الرحلة يقهر الأبعاد المألوفة للأشياء فيلتقي عندئذ بالمطايا التي تقهر الأبعاد المعروفة للمكان، فيخرج كلاهما بالشاعر عن حدّ السكون الذي لا يدل إلا على الموت ولا يفضي إلا إليه.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .