دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 21/9/2019 م , الساعة 12:39 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

محمد شُعير يميط اللثام عن خوافي سيرة الروائي الكبير «1-2»

الأديب نجيب محفوظ .. صراع مع الفلسفة

سلامة موسى الأب الروحي لنجيب محفوظ ومرشده والقارئ الأول لأعماله
طه حسين: محفوظ أتاح للقصة إتقاناً وعمقاً وتأثيراً يشبه السحر
سيد قطب: أعمال محفوظ نقطة البدء الحقيقية في إبداع رواية قصصية عربية أصيلة
رواية أولاد حارتنا مثل كليلة ودمنة ترسم عالماً متصوراً لتوحي بعالم آخر
ثلاثينيات القرن الماضي كانت سنوات القلق الفكري لدى محفوظ أدبياً وفلسفياً
الأديب نجيب محفوظ .. صراع مع الفلسفة
بقلم - جهاد فاضل:

كتاب «أولاد حارتنا» سيرة الرواية المحرّمة لمحمد شُعير الصادر حديثاً عن دار العين في القاهرة، لا يحتوي فقط على سيرة الرواية المحرّمة، ويقصد بها «أولاد حارتنا» التي ملأت الدنيا وشغلت الناس ولا تزال تشغلهم إلى اليوم، وإنما يحتوي أيضاً على جوانب شتى بعضها مجهول من سيرة كاتب الرواية نجيب محفوظ. محمد شُعير منحاز بداية إلى محفوظ لا إلى خصومه من رجعيين وغير رجعيين، ولكنه رغم انحيازه هذا، يقدم رواية أمينة للأحداث من بدايتها إلى نهايتها، ورواية موثقة في آن، ومدعمة في النهاية بملحق وثائقي. والواقع أن الكتاب يضم، بالإضافة إلى سيرة الرواية المحرمة، سيرة أخرى غير محرمة هي سيرة غير متداولة كثيراً أو غير معروفة كثيراً عن نجيب محفوظ: بداياته، علاقاته القديمة مع سيد قطب الإخواني، ومع سلامة موسى الذي تأثر به نجيب محفوظ كثيراً عندما لزمه وكتب عنده في مجلته. ونجيب قال مراراً إنه تأثر به كما تأثر أيضاً بمفكريْن كبيريْن هما طه حسين والشيخ مصطفى عبدالرازق شيخ الجامع الأزهر الذي عمل نجيب مدة من الزمن سكرتيراً له عندما كان وزيراً. الكتاب يقدم بانوراما نابضة بالحياة لا لمحفوظ وحده، وإنما أيضاً لعصر كان زينة العصور خلاله كانت مصر زينة البلدان وقبلة العرب والعالم.

في الكتاب إرهاصات شتى حول أولاد حارتنا، بداية تكونها في وجدان صاحبها، ماذا قال عنها قبل أن تولد، وبعد أن ولدت، وما إذا كانت سبب منح نجيب محفوظ جائزة نوبل أم واحدة من أسباب المنح لأن بعضهم يضيف إليها تأييد مؤلفها لمعاهدة الصلح مع إسرائيل وطي الصراع معها. وفي الكتاب أن محفوظ التزم الصمت تماماً طوال أيام نشر الرواية التي انتهت يوم الجمعة 25 ديسمبر 1959. في اليوم ذاته ذهب إلى ندوته الأسبوعية في كازينو الأوبرا وهناك أوضح لأول مرة وجهة نظره كاملة في الرواية. قال إنه يريد الكشف عن الهدف الأساسي للبشرية، وحتى تستطيع البشرية الكشف عن هذا السر، تحتاج إلى التفرغ له والاستعداد، وهي لن تتمكن من هذا إلا بعد القضاء على استغلال الأغنياء للفقراء، والصراع بين الناس من أجل لقمة العيش. وفي حوار آخر يسأله صحفي: في أولاد حارتنا لماذا حبست نفسك ومعك القراء في زنزانة الأسلوب الرمزي؟

أجاب محفوظ: اسمع! كل واحد له فكرة بالنسبة لهذا الكون الذي نحيا فيه، وقد أحسست أنني أريد أن أقول فكرتي بتلك الطريقة التي عرضتها بها. وحتى الآن لم أعرف لماذا كتبتها هكذا، وأصارحك بأنني أعود إلى نفسي أحياناً، فأقول إنها دعوة للاشتراكية وتقديم العلم بطريقة الدين. نعم لماذا لا يكون العلم مقدساً ؟ أو لماذا لا أصارحك.. ربما في هذه الرواية تطور فكري لي شخصياً لم يتضح لنفسي حتى الآن؟

وذهب محفوظ إلى أن البحث عن تكنيك جديد قد يكون شيئاً مهماً للكتاب في أوروبا نظراً لظروف العصر. ولكن بالنسبة له شخصياً فقد عمل دائماً على الموازاة بين التقنية والانشغالات المجتمعية والفلسفية:

«حين كنت مشغولاً بالحياة ودلالتها، كان أنسب أسلوب لي هو الأسلوب الواقعي الذي قدمت به أعمالي لسنوات طويلة. كانت التفاصيل سواء في البيئة أو الأشخاص أو الأحداث على قدر كبير من الأهمية. أما حين بدأت الأفكار والإحساس بها يشغلني، لم تعد البيئة هنا ولا الأشخاص ولا الأحداث مطلوبة لذاتها. الشخصية صارت أقرب إلى النموذج أو الرمز، والبيئة لم تعد تُعرض بتفاصيلها، بل باتت أشبه بالديكور الحديث، والأحداث يُعتمد في اختيارها على بلورة الأفكار الرئيسية».

وفي تحقيقات النيابة أعاد محفوظ التأكيد على هدفه من الرواية:

«أولاد حارتنا» مثل «كليلة ودمنة» ترسم عالماً متصوراً لتوحي بعالم آخر.

فنحن بين الحيوانات عايشين في غابة. لكن نحن نعرف، والقارئ العادي يعرف، أن قصدنا نقد البشرية ونظام الحكم والعلاقات بين الأفراد، وحكمة الحكماء، وسفاهة السفهاء، ولكن ما دام التزمنا إن إحنا في الغابة، فلازم يكون أبطالنا من الحيوانات، ولا نحاسب ونحن نعاملهم معاملة الحيوانات لأننا نعامل المرموز له بالحيوان. وعلى نفس النمط أنا مشيت في «أولاد حارتنا» أعرض فيها لمصريين في حارة، وأسلوب حياتهم بكل ما فيه. والذين حاولوا قتلي لا يقرأون القصص الأدبية بعين أدبية أو إنسانية تريد أن تعرف الحقيقة وصراع الخير والشر.

بعد أن أدلى محفوظ بأقواله طلب منه رئيس النيابة أن يوقّع على أقواله، لكن اليد المصابة لمحفوظ لم تستطع إمساك القلم، فاضطر وكيل النيابة أن يأخذ بصمة محفوظ!

وحسبما يحكي أشرف العشماوي أحد وكلاء النيابة الذين تولوا التحقيق في الحادث، فإن محفوظ سأله أثناء التحقيق: هم ليه ضربوني يا حضرة الوكيل؟ يقول عشماوي: أجبته بما اعتقدت أنه سيريحه. قلت له إن من حاول قتله فعل ذلك لإصلاح المجتمع

اللافت أن محفوظ كان يتجنب في سنوات الستينيات أي إشارة إلى الخلفيات الاجتماعية للرواية، أو إلى أن الرواية مُنعت لأسباب سياسية، إلا أنه بعد رحيل عبدالناصر كان أكثر جرأة في الإشارة إلى ذلك. قال في حوار مع جريدة القبس الكويتية:

«لا أكتب إلا إذا حدث انفصام بيني وبين المجتمع، أي إذا حدث عندي نوع من القلق وعدم الرضا. بدأت أشعر أن الثورة التي أعطتني الراحة والهدوء بدأت تنحرف وتظهر عيوبها. بدأت تناقضات كثيرة تهز النفس. بدأت أشعر أن هناك عيوباً وأخطاءً تهز نفسي، وخاصة من خلال عمليات الإرهاب والتعذيب والسجن. من هنا بدأت كتابة روايتي الكبيرة «أولاد حارتنا».

وقال في حوار مع غالي شكري نشرته مجلة «حوار» اللبنانية: «أولاد حارتنا» لا تضيف جديداً إلى الفلسفة الإنسانية. هذا حق لكني متى ادعيت أنني فيلسوف بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة؟ الفيلسوف هو الذي يضيف جديداً للفلسفة الإنسانية، أما الأديب المتفلسف فهو الذي يعبر تعبيراً فنياً عما يأخذه من هذه الفلسفة. وهو يفيد الفلسفة بذلك لأنه يحولها إلى تجربة حية تعيش في النفس البشرية بعد أن كانت معادلة عقلية يختص بها الفلاسفة وتابعوهم. ماذا أضاف شكسبير أو غوتة أو إبسن أو برناردشو إلى الفلسفة الإنسانية؟ لا شيء.

الأدب لا يخلق الفلسفات، لكنه يعالجها. وإذا وُجد أدب، وفي الوقت نفسه أضاف جديداً للفكر، وذلك لأن مؤلفه فيلسوف وأديب معاً مثل سارتر.

كانت ثلاثينيات القرن العشرين هي سنوات «القلق الفكري» لدى نجيب محفوظ، سنوات الحيرة والبحث في الأفكار الكبرى. لم يكن محفوظ قد حسم أمره بين الفلسفة والأدب، كما قال:

«كنت أمسك بيد كتاباً في الفلسفة، وفي اليد الأخرى قصة طويلة من قصص توفيق الحكيم أو يحيى حقي أو طه حسين. وكانت المذاهب الفلسفية تقتحم ذهني في نفس اللحظة التي يدخل فيها أبطال القصص من الجانب الآخر. ووجدت نفسي في صراع رهيب بين الأدب والفلسفة، صراع لا يمكن أن يتصوره إلا من عاش فيه، وكان عليّ أن أقرر شيئاً أو أجنّ

لكنه سرعان ما حسم أمره: التفرغ للأدب، أو للرواية، ولكن الفلسفة (وهو خريج فلسفة من جامعة القاهرة) ظلت تقتحم عليه الأدب.

فعندما نتحدث عن الأصل البعيد لأولاد حارتنا، علينا ألّا نتجاهل تأثير أفكار سلامة موسى على مؤلفها. فالرواية في جانب منها كانت تعبيراً عن فكرة انشغل محفوظ بها كثيراً، ومبكراً، وتحديداً في أوائل الثلاثينيات عندما التقى بسلامة موسى لأول مرة. في ثلاثيته يروي محفوظ تفاصيل هذا اللقاء، وذلك عندما يلتقي أحمد شوكت، أي شخصية جانب من جوانب نجيب محفوظ مثله كمثل كمال عبدالجواد في الرواية ذاتها، بعدلي كريم الذي يبدو في الرواية معادلاً فنياً لسلامة موسى، ليعمل معه في مجلته «الإنسان الجديد» نصيحة عدلي لشوكت كانت أن تدرس الأدب، ادرسه كما تشاء، ولكن لا تنسى العلم الحديث.

يجب ألا تخلو مكتبتك، إلى جانب كتب الأدب، من كتب داروين وفرويد وماركس وإنكلز. هؤلاء علماء يجب الاطلاع على نتاجهم.. وبصيغة أخرى كرر رياض قلدس في «السكرية» أيضاً المعنى ذاته: «العلم سحر البشرية ونورها ومرشدها ومعجزاتها».

كان سلامة موسى هو الأب الروحي لنجيب محفوظ، القارئ الأول لأعماله الأولى، مرشده أيضاً لما ينبغي أن يقرأ. ثلاثية نجيب محفوظ تكشف ذلك بوضوح، وأيضاً حواراته المتناثرة: «وجهني سلامة موسى إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية، ومنذ دخلا مُخّي لم يخرجا منه إلى الآن».

إذن بذرة الفكرة الأولى ألهمه إياها «موسى» الذي كان «أكبر مبشر في جيلنا بالعدالة الاجتماعية وبالعلم وبالرؤية العصرية. وبقدر تطرفه في الدعوة إلى العلم والصناعة وحرية المرأة، كان في الجانب السياسي معتدلاً فلم يجنح إلى الدكتاتورية. لذلك أعتبره الأب الروحي للاشتراكية والديموقراطية». احتفظ محفوظ بتلك الأفكار. كان منشغلاً بالفعل بدور العلم في حياة البشر وتقدمهم.

قبل أقل من شهر على نشر «أولاد حارتنا» أجرى عبدالله أحمد عبدالله حواراً مع محفوظ لمجلة الإذاعة. سأله عن حكمته التي التقطها من الحياة، أجاب محفوظ على الفور: «العلم أساس الملك».

على مدى ثلاثين عاماً كان نجيب محفوظ يستمع إلى هذا السؤال: هل تحلم بجائزة نوبل؟ وكانت إجابته واحدة في كل مرة، لم تتغير: لا.

في عام 1958 سألته إحدى المجلات: هل تعتقد أن أديباً من عندنا سيحصل ذات يوم على الجائزة؟ أجاب: قد يحدث يوماً ما ولكن أدبنا اليوم لم يصل إلى المستوى الذي يستحق عليه جائزة نوبل، فنحن لم نصل بعد إلى هذه الدرجة العالمية.

وفي عام 1969، وفي حوار مع روز اليوسف تطرق الحوار إلى الأدب الروسي. تحدث محفوظ عن أهم الأدباء الذين تأثر بهم، واعتبر بوريس باسترناك صاحب «الدكتور جيفاكو»، روائياً ضخماً لكن تنقصه الرؤية الفنية ولا يستحق جائزة نوبل. وسأله الصحفي: هل تطمح أنت إلى نيل الجائزة؟

- لا.

- لماذا؟

- لا أعتبر أن ما قدّمته يشكّل إضافة إلى التراث الإنساني.

- قرأت مرة أن طه حسين مرشح لهذه الجائزة. فهل أضاف إلى التراث الإنساني ما يستحق عليه الجائزة؟

- لا. الأديب الوحيد الذي يمكن أن يرشح لهذه الجائزة هو توفيق الحكيم!

وقبل أيام قليلة من إعلان فوزه بالجائزة سأله صحفي لبناني هو أسعد حيدر السؤال ذاته، فأجاب:

- عندما كانت الجائزة تُمنح للتقليديين، يعني العمالقة، مثل برنارد شو وتوماس مان، لم تكن الجائزة من أحلامي أبداً. بعد ذلك انتهى عصر العمالقة مثل جان بول سارتر وألبيركامي. بعد ذلك أصبحت الجائزة تُمنح للعاديين والعاديين جداً. لذلك لم أعد أفكر بها، ولهذا أيضاً ما فيش عندي مرارة، وأنا لا أتصور أنني سآخذها. دي جائزة مش بتاعتنا. أنا لا أطمع بها، وأنا ما ليش علاقة بها.

في الحوار ذاته حكى محفوظ أنه علم أن سيدة سويدية جاءت إلى مصر منذ أربع سنوات (1984) بعد أن ذهبت إلى سوريا ولبنان وتونس والمغرب لكي تعرف الأدباء الذين يعيشون في الشرق.وتسأل عن الأدباء الذين يستحقون جائزة نوبل. قال ساخراً: لقد قضت في كل المدن العربية ستة أشهر، وهي في حاجة إلى ستين سنة لكي تعرف هذا الأدب لا ستة أشهر، كما أنها لا تعرف العربية..

ولكن محفوظ، ومنذ وقت مبكر لفت نظر النخب الأدبية في مصر وبقية البلاد العربية. فقد كتب الناقد محمد فهمي في مجلة المقتطف سنة 1947 عن رواية لمحفوظ صدرت حديثاً يومها هي «زقاق المدق»:

«إنني أقولها صريحة.. لا تربطني صلة بهذا الأديب وأعلن اليوم وستؤمن على قولي الأجيال القادمة:لقد خلق لنا أدباً قصصياً في مستوى الأدب الروسي الذي استرعى أنظار العالم بفضل دستويفسكي وتسيخوف وتورجنيف»..

واعتبر سيد قطب (مجلة الفكر الجديد سنة 1948) أن أعمال محفوظ «هي نقطة البدء الحقيقية في إبداع رواية قصصية عربية أصيلة. فلأول مرة يبدو الطعم المحلي والعطر القومي في عمل فني له صفة إنسانية».

أما طه حسين فقد قال (في جريدة الجمهورية 1953) إن محفوظ أتاح للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة ومن العمق والدقة ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يتجه لها كاتب مصري قبله».

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .