دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 14/10/2019 م , الساعة 1:22 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

خريطة طريق للعراق

خريطة طريق للعراق

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

تضع المؤسسات الدولية العراق في المرتبة العاشرة من حيث نسبة الفساد من دول العالم، أي أن هناك تسع دول فقط يسبقونه، ولكن المستقبل أمامه فبإمكانه أن يتزعم مجموعة دول الفساد هذه إذا استمر الوضع فيه على وتيرته الحالية من حيث نهب المال العام واستباحة سائر موارد الدولة دون حسيب أو رقيب مسموع الكلمة وقادر على نصرة العدالة. وتضيف هذه المؤسسات الدولية أن العراق يتميز عن بقية دول الفساد في أن سرقة المال العام فيه كثيراً ما تكون بالمليارات لا بالملايين. والمليارات هذه هي بالدولار الأمريكي لا بالدينار العراقي، ويتقاسمها سياسيون نافذون كثيراً ما يشركون بتوزيعها مراجع داخلية ودولا أجنبية، ومنها يجري تمويل عشرات الميليشيات التي تأتمر بأوامر خارجية.

وإذا علمنا أن العراق يُعتبر خامس دولة في العالم من حيث مردود النفط، فقد لا نعلم أن جزءاً بسيطاً من هذا المردود يُنفق على المالية العامة وحاجات الشعب، أما القسم الأكبر فيذهب في مجاري الفساد التي أشرنا إليها.

ويبدو أن الفساد في العراق قانون غير مكتوب وأن حمايته تؤلف نوعاً من النظام العام فهو يرقى إلى رتبة الآمر الناهي ولا يستطيع أحد النيل من نفوذه.

فها هو رئيس مجلس النواب العراقي يقول في تصريح له بعد هبوب عاصفة الاحتجاجات الأخيرة إن الفساد لا يقلّ ضراوة عن الإرهاب. ولا يختلف أحد مع سعادته في هذا التقييم، ولكن الجميع ينتظرون منه ومن نوابه تشريعات تغّلظ عقوبة الفاسدين وتردع كل من يفكر بمدّ يده إلى المال الحرام، وكذلك باستعادة المال العام المنهوب من ناهبيه. طبعاً كل ذلك مجرد حلم يشبه أحلام الفقراء لا أكثر طالما أن أكثر هؤلاء النواب أعضاء في كتل نيابية لها، أو للنافذين فيها، حصة وازنة في مال الفساد الذي نتحدث عنه.

ولا شك أن للفساد أسبابه الكثيرة وهو منتشر في بلدان عديدة، ولكن أسبابه العراقية تختلف عن أسبابه في الخارج، ومنها المذهبية التي تحكم العراق منذ انهيار نظام صدام حسين. فقد طردت هذه المذهبية كل المكونات العراقية من صناعة القرار واستقلت بها. وقد جاء وقت كان فيه فرد واحد رئيساً للحكومة ووزيراً للمالية ولعدة وزارات أخرى، بالإضافة إلى تسلمه مهام حاكم المصرف المركزي، ولأن العراق لا يملك أجهزة رقابة فعالة، ولا صوت يعلو فيه على صوت المذهب والمذهبية، فقد استباح الحاكم كل ما وجده في خزائن وزاراته وتصرف بها على هواه. ومع الوقت صار الفساد شرعة وتعذّر النيل منه.

وعندما يقول عادل عبدالمهدي إنه سيحيل الفاسدين ومعهم رجال الأمن الذين استخدموا السلطة المفرطة أو العمياء ضد المتظاهرين إلى العدالة، فلن يصدقه أحد لعدة أسباب:

أولها: أن العدالة في العراق مشلولة ولا سلطة قضائية حقيقية فيه.

وثانيها: أن العراق كله، وليس العدالة فيه وحدها، في حالة انهيار يشمل كل مرافقه بلا استثناء، وأن الترياق الذي كان الآخرون ينتظرونه منه، لم يعد يصنعه، وأن ما يحتاجه في الواقع هو ورشات فكر وعمل تشارك فيها نُخَبُه غير الملوثة بالمذهبية والفساد، ويكون الهدف منها عودة العراق إلى العقلانية والديموقراطية والعروبة، بل عودة العراق إلى ذاته وقيمه وأصالته بعد طول تشرد لم يؤد إلا إلى ضياعه، ولن يكون مفاجئاً لأحد أن تنتهي هذه الورشات إلى أن العراق في حالة إفلاس رغم موارده المالية الهائلة. فهو مفلس في ماليته العامة وفي اقتصاده، كما هو مفلس في مدارسه وجامعاته، ومن أكثر ما يحتاجه هو استقدام خبراء وأساتذة من دول أخرى كلبنان وتونس والمغرب وسواها وهو ما لجأ إليه العراق الملكي في العشرينيات من القرن الماضي، وليت هذا العراق الملكي يكون قدوة للعراق المذهبي الحالي من حيث اعتماد الكفاءة وتكافؤ الفرص كمعيار للتوظيف.

فقد عين الملك فيصل الأول، وأكثر من مرة يهودياً عراقياً وزيراً للمالية وكان يعين مواطنين سرياناً وكلداناً في شتى وزارات وإدارات الدولة. وهو نهج وطني لا غبار عليه إذا أراد العراق الخروج من كهوف التاريخ واستعادة دور كان قد بدأ يضطلع به، فإذا بالخرافات تفتك به، وبالفساد ينخره، وبماله العام يضيع من بين يديه لتُشترى به عمارات عالية في بيروت وسائر مدن العالم، أو ليُودع في خزائن البنوك في الخارج، في حين أن زهرة مدائنه في التاريخ وفي الحاضر القريب، أي الموصل، تُساق إلى الذبح وتتحول إلى أثر بعد عين.

ليست الموصل وحدها هي المدمرة، العراق كله مُدمر، والحاجة ماسة إلى قيم يستعيد بها نفسه عرفها في الكثير من حقبه المعاصرة وأولها العروبة كقيمة ثقافية وحضارية هي أول القيم التي ينبغي أن يحرص عليها لأن هويته تنطلق منها. وقد نظر الكثيرون من أخوته العرب، ومن محبيه الكثر في العالم إلى الهبة الشعبية التي اجتاحت مدنه وأريافه مؤخراً، على أنها دليل صحوة من عالم الأوهام والخرافات، وعودة إلى الحياة الكريمة التي هو جدير بها.             

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .