دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 15/10/2019 م , الساعة 12:25 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

مفاوضات السلام السودانية ومتلازمة التعثر

مفاوضات السلام السودانية ومتلازمة التعثر

بقلم / د. خالد التيجاني النور - كاتب وصحفي سوداني :

على كثرة جولات مفاوضات السلام التي جرت بين الحكومات السودانية المُتعاقبة، وحركات التمرّد المسلّح ضد السلطة المركزية في أطراف البلاد المُختلفة خلال العقود الأربعة الماضية، فإنها لم تجابه غموضاً ومصيراً مجهولاً وحظوظ نجاح محدودة للغاية كالذي يواجه المفاوضات التي يستضيفها رئيس جنوب السودان سلفا كير في العاصمة جوبا هذا الأسبوع، ذلك أنه حتى قبل أن تنطلق سارعت الأطراف الأساسية في هذه الجولة الجديدة من التفاوض، المفترض أنها تجري تحت مناخ مختلف تماماً ومعطيات جديدة بعد نجاح الثورة السودانية الثالثة في الإطاحة بالنظام السابق، لتصدر بيانات صحافية تتضمّن مواقف تستدرك على مسار هذه العملية بتحفظات من شأنها أن تنسف ابتداءً أية فرص مُحتملة لتحقيق أي تقدم جديّ يُحدث اختراقاً جذرياً في ملف السلام والحرب التي تمثل القضية السودانية المركزية العالقة منذ عقود، والتي لا تزال البلاد تدفع بسببها أثماناً باهظة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً جرّاء استدامة حالة اللاحرب واللاسلم.

وفي واقع الأمر فإن التعقيدات والتهديدات الماثلة لفرص عملية السلام المنتظرة لا تقتصر فقط على ما ورد في بيانات قادة الحركات المسلحة المعنية أصلاً بهذا التفاوض، بل كذلك بما لم تقله الأطراف الأخرى الفاعلة، بأوزانها النسبية المُختلفة، في هذه القضية المصيرية لمستقبل السلام والاستقرار في السودان، وتأتي في مقدمة هذه الأطراف الحكومة الانتقالية بشقيها، المجلس السيادي، ومجلس الوزراء، وحاضنتهما السياسية المُفترضة نتيجة شراكة المؤسسة العسكرية، بأذرعها المُتعدّدة، وقوى الحريّة والتغيير، بتحالفاتها المختلفة، التي تمخّضت عنها اتفاقية اقتسام السلطة وترتيبات الفترة الانتقالية، ووثيقتها الدستورية. ومن الأطراف الفاعلة المؤسسات الإقليمية والدولية، الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، والمجتمع الدولي الذي تتقدمه الترويكا، ودول الجوار والإقليم ذات الأدوار والمصالح المتنافسة حول تشكيل مستقبل السودان.

والمُعضلة التي تواجه مفاوضات السلام السودانية التي دعت لها جوبا، بموجب إعلان 11 سبتمبر الماضي بوساطة الرئيس سلفا الكير التي حدّدت إطاراً فضفاضاً وترتيبات تحضيرية لبدء التفاوض مُنتصف الشهر الجاري على أن يُستكمل في غضون شهرين، سرعان ما تبيّن أنها لم تحسّم مسائل بديهية ذات أهمية خاصة، ظاهرها أنها تبدو شكلية، لكنها تعكس الطبيعة المُعقدة للصراع وتشابك مصالح الأطراف الخارجية المتناقضة وإملاءاتها.

وأول ذلك ما كشفته تصريحات قادة الجبهة الثورية من أنه لم يتم اتفاق بعد على تحديد من يقوم بدور الوساطة، فضلاً عن مكان التفاوض، في الوقت الذي يتصرّف الرئيس كير في الأمر باعتباره الوسيط «المثالي»، وأن جوبا هي المكان «المُناسب»، من باب فرض الأمر الواقع، وهو ما جعل رئيس الجبهة الثورية السودانية الهادي إدريس يقول إنهم سيتوجّهون إلى عاصمة جنوب السودان لمناقشة القضايا التي تهم عملية السلام في البلاد، لكنهم يريدون «مُعالجة بعض التحفظات والمعايير، قبل بدء المحادثات».

وكشف رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم جانباً من هذه التحفظات قائلاً: «إن عملية السلام يجب أن تبدأ بعد الاتفاق على تحديد الوسيط والمنبر»، لافتاً إلى أن إعلان جوبا لم يتناول هذين الأمرين»، وقال «يبدو أن جوبا فسّرت السكوت عن تحديد المنبر والوسيط لصالحها، مشيراً إلى أنهم أبلغوا وفد مجلس السيادة بهذا التحفظ من جانبهم، معلناً عن مشاركة رمزية بشخصه في مراسم الافتتاح، غير أن رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي أتبع تحفظه بعدم المشاركة مُرسلاً وفداً ينوب عنه.

فإذا كان هذا شأن الأطراف المُسلحة الأكثر استعداداً للانخراط في التفاوض، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيداً عند غيرها، ففصيل الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال الذي يتزعمه عبد العزيز الحلو، فمع مشاركته في محادثات جوبا التمهيدية الشهر الماضي مع وفد المجلس السيادي بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، فقد بقيت على إصرارها في اتخاذ موقف مستقل ومنفصل، رافضة الجلوس مع الأطراف الأخرى، وهي مسألة من شأنها أن تضع المزيد من التعقيدات على عملية التفاوض المتعثرة أصلاً، فضلاً عن محاولة فرض شروط تعجيزية مُسبقة يمكن أن تكون في أحسن الأحوال نتيجة للتفاوض، وليست سابقة له كإملاء واجب التنفيذ، وعلى الطرف الآخر يقف عبد الواحد محمد النور بموقفه المُتشدّد المعهود الرافض للاعتراف بالوضع الانتقالي الجديد وترتيباته، فهو يقول إنه مُستعد لمقابلة عبد الفتاح البرهان، محمد حمدان حميدتي و»تبادل الأفكار معهما باعتبارهما جزءاً من المشهد العسكري والسياسي، ومن أجل تبادل الأفكار كمواطنين سودانيين وسياسيين لحل أزمة السودان، لا باعتبارهما حكومة»، في دلالة على أن جهود الرئيس الفرنسي ماكرون لجمعه برئيس الوزراء عبد الله حمدوك لم تغيّر شيئاً من موقفه، ليبقى سؤال إمكانية تحقيق اتفاق شامل حتى بافتراض تجاوز العراقيل التي أشرنا إليها آنفاً.

ولئن لم تحمل مواقف الحركات المُسلحة جديداً مفاجئاً، إلا أن ما يُثير التساؤلات حقاً موقف الحكومة الانتقالية، بشقيها السيادي والتنفيذي، فقد ظلت تجري على ألسنة الجميع عسكريين ومدنيين عبارات التأكيد على أن أجندة السلام هي أولوية السلطة الجديدة القصوى ومحور برنامجها باعتبارها أم القضايا السودانية جميعاً، والمدخل الصحيح لإعادة تأهيل الدولة ووضعها على الطريق الصحيح، مع أنه تم تحديد جدول زمني لإنجاز هذه المهمة الصعبة في الأشهر الستة الأولى من عمر الحكومة، إلا أن الوقائع تشير إلى أن هذه التعهّدات المغلظة لم تبرح عتبة إبداء النيات الحسنة دون عمل منجز يؤكد عليها.

ومع أن توقيع الوثيقة الدستورية رافقته مصفوفة تجدول تنفيذ هذه التعهّدات كان نصيب عملية السلام أن تبدأ في مطلع الشهر السابق، إلا أنه لم يتم إنجاز أية خطوات جديّة ذات معنى، سوى المزيد من التصريحات التي لا تغني عنها شيئاً، فإعلان جوبا الوحيد الذي تم ثبت الآن أنه أقرب إلى عملية علاقة عامة من واقع العراقيل التي تجابه بدء التفاوض وسط التحفّزات المتكاثرة، وكانت الخطوة الأهم هي تشكيل مفوضية السلام التي أوكلت إلى المجلس السيادي ولكنه تباطأ في أمرها ولم يشكّلها إلا قبل يومين من جولة جوبا، مُهدرة ستة أسابيع كاملة دون مسوّغ، لتذهب إلى هناك وهي خاوية الوفاض من أي برنامج معلوم للتفاوض سوى الشعارات العامة الفضفاضة بالحديث عن مُخاطبة جذور المُشكلة دون إطار معلوم أو تعريف إجرائي يُحدّد أجندتها بدقة، فضلاً عن غياب تام لأي حوار في الفضاء العام عن القضية الأكثر خطراً وتأثيراً على مستقبل البلاد.

ويزيد من تعقيدات عملية السلام الصراع المحموم بين العديد من القوى الإقليمية المتسابقة على احتكار ملف التفاوض لخدمة أجندتها، وسط صمت الاتحاد الإفريقي، وتغافل المجتمع الدولي عن أي انشغال بهذه المسألة الحيوية، وهو ما من شأنه أن يجعل التوصل إلى اتفاق سلام شامل أمراً بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة.

 

khalidtigani@gmail.com

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .