دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 17/10/2019 م , الساعة 1:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

ما أكبر الشبه بين (بعوض) حشريّ و(بعوض) بشريّ!

ما أكبر الشبه بين (بعوض) حشريّ و(بعوض) بشريّ!

بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..

(بعوضة)!؟ لا أدري من أين اقتحمت عليّ المكتب حين لذت به قبل فجر يوم بكثير، بعد أن أرقت من دون سبب أدركه. توضّأت فصليت ركعتين؛ فأحسست بشيء من سلام يغمر نفسي، فحبّب لي ذلك أن أمدّ يدي إلى رفّ المصاحف، فقرأت ما تيسّر من كتاب الله نحو نصف ساعة، ثم استلقيت في الظلام راغبًا عن الكتابة وعن قراءة شيء آخر، فاقتحم الذّهن التفكير في برنامج اليوم، سرعان ما عكّره طنين (بعوضة) تبعته منها (لسعة) على ظاهر يدي.

عليك اللعنة حشرة كريهة مزعجة ! نهضت، لا يزال الفجر بعيدًا، فتحت (الحاسوب) لتصفّح جرائد اليوم؛ فأمعنت (البعوضة) في إزعاجي! لم تبرحني!، تطنّ في أذني، على عجل تحط على يدي وتطير، دون أن أُحسن سحقها! في هذا الموقع أو ذلك! ثم استقرّت قليلا على معصم يسراي! طويلة ذات سيقان كبيرة، بدت (سمينة)! ربما من دمي! لكنها نجت من ضربة تهيّأت لها ساحقة بيمناي على يسراي؛ فأوجعت اليمنى اليسرى! وقد طارت (البعوضة السمينة) فنجت دون أن تنالها ضربة قاضية! اللعنة عليها! كم صارت مزعجة في جلستي هذه الهادئة الصامتة! لا يعكّرها غير طنين هذه (البعوضة) الوقحة! ورحلاتها الاستفزازية على اليدين بخاصة، وعلى شاشة (الحاسوب) وحواشيه!

ها هي تحلّ بين إطار (الحاسوب) وشاشته ومفاتيحه، حتّى يدي؛ فشرعت أبحث عن(أداة) أسحقها بها سحقا، مهما كلفني ذلك من عنت! هي ضئيلة حقيرة لكنها مزعجة بطنينها، بحركاتها، بلسعاتها التي أحسستها وخزًا سامًا في المعصم؛ فانتفخ موقع (اللسعة) فتطلّب الجِلد (حكّا) لموقعها! عليك اللعنة أيتها الحقيرة!

لا تزال ملحاحة! لكن بدا لي أنّ حركاتها (ثقلت) قليلاً عن وضع سابق لها، كانت تفلت فيه مني! ربما شبعت من دمي فثقلت؛ فكانت الضربة القاضية! بممسحة (الحاسوب) حين استقرّت على طرفه مثقلة بما امتصته من دمي؛ فقضت مضرّجة بالدماء التي علقت بالممسحة، فأخذت من علبة الورق ما أطهّر به الموقع على (الجهاز) من آثار حشرة رخيصة، ليست ذات شأن، لكنها مزعجة بطنينها، شاغلة بحركاتها وأذاها، تعكّر صفاءك الذهني وهدوءك البدني، وطمأنينتك عاملًا أو مستريحًا، مستيقظًا أو نائمًا.

حركات هذه (البعوضة) ضئيلة جدًا كشكلها، لا يكاد يلتفت إليها بعض، كما أنها غاية في الوقاحة والبشاعة، فكيف يكون منها هذا الإزعاج يصيب أبدان بعض ونفوسهم؟

(سبحان الله العظيم!) العليم بما خلق فتشابه! أليست هذه (البعوضة) صورة من صور آدمية في الحياة البشرية؟ (هوامّ بشرية) تسعى على الأرض صغيرة بل (حقيرة) في حقيقتها (البشرية) المادية والمعنوية معًا! لكنها شديدة الإحراج حتى الإزعاج، خصوصًا في الحياة السياسية والاجتماعية! بتصرّفاتها وأقوالها التي لا تختلف عن طنين تلك (البعوضة)، لكنها تكدّر حياة أمة؛ فتلهي الناس بكل أمر تافه رخيص؛ فتجعل منه أمرًا ذا بال! حتى ابتزاز (أشباه السياسيّين) المتخلّفين فكريًا، من أولئك الذين يتجاهلون دعوات الحقّ المنطقية العقلانية الجادة الهادئة، لكنهم يتجاوبون مع (طنين الحشرات البشرية) في صور (تنظيمات مجهرية) انتهازية، تتّسم دائما بالعمالة للأجنبي (الاستعمار القديم): بدل كشف حقيقتها واجتثاثها كجرثومة بشرية وفضح أهدافها الرخيصة؛ فصورها لا تختلف عن صورة (البعوضة) في التشويش عن عمل وامتصاص دم (هو هنا أموال أمة واستقرارها ووحدتها وتوادّها)! تشغل الناس وتشوّه الحياة؛ فتحول ضآلتها – ربما استخفافًا بها دائمًا- دون العمل على استئصالها، هذا الاستئصال ضرورة جوهرية، لتجنّب تداعيات تشويشها في حياة الأمة: سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا!

الشبه قائم حتى التطابق بين (البعوض) الحشرِيّ و(البعوض) البشري في الحياة الإنسانية! تجمعهما الضّآلة والنّتانة المادية والمعنوية في الحياة، مع القدرة على الإزعاج والمناورة، مما يقتضي يقظة للسحق حتى الإبادة: اجتثاثا لآفة جرثومية تشغل الناس وتلوّث حياتهم!

لا تستهينَنْ إذن بالحقير مهما كانت ضآلته وشكله ولونه وطبيعته! فمن الوضيع حتى صغاره عمومًا (معنويًا وماديًا) وسمومه في الحياة الإنسانية: تنجم آفات وأوجاع تتعاظم نتائجها المختلفة بتجاهلها كتعاظم الجراثيم والأوبئة التي يجري الاستخفاف بأمرها؛ فبالتجاهل تستفحل الظواهر المرضية؛ فينتشر أذاها بين الناس؛ فتشوّه صورة الحياة!

الحذر ضرورة حتمية إذن في الحياة من (البعوض) بكل أشكاله وألوانه وهوياته (الحشرية) و(البشرية)! فما أكبر الشبه هنا بين (البعوض) الحشريّ و(البعوض) البشريّ! مهما كانت ضآلتهما!

          E-Mail: beng.33@hotmail.com     

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .