دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 21/10/2019 م , الساعة 1:21 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

العالم في خدمة معايير الجمال

العالم في خدمة معايير الجمال

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

بينما يتمّ الترويج لمعايير الجمال بنسبته إلى بلدٍ أو شعبٍ معيّن، غربيٍّ في الغالب، بحيث تُتخذ كمقاييس عالميّة لا يُقبل الحياد عنها، خرجت عدة فتيات روسيات يعترضن على هذا التصنيف الذي يرينه مُجحفاً بحقهنّ وحقّ كلّ من لم تنطبق عليها أيٌّ من هذه المعايير. فقد أعلنت الفتيات أنّهن يتقبلن أنفسهن كما هي، بل أبرزن ما قد يراه البعض عيوباً واضحة. أعاد هذا التصوير السؤال عمّن وضع هذه المعايير ولا زال يروّج لها ولمصلحة من، وعلى أي أساس؟ وهل تأتي في إطار دورة زمنية معلومة قد تخلفها أخرى بناءً على ما تقتضيه المصالح والمكاسب والأسواق المفتوحة على شتى الابتكارات؟

بشكلٍ آخر، فإنّ هذه الموجة تعيد إلى الأذهان احتفاء الشعر الجاهلي قديماً وتعرضه للمرأة، وإن كان المسؤول في ذلك الوقت هم الشعراء وما يقرضونه نتيجة إعجابٍ بما هو موجودٌ في بيئتهم، إذ لم يكن مطلوباً منهم في ذلك الوقت أكثر مما جاءوا به. وإن كان الشعر هو الوسيلة الإعلامية الأسرع والأكثر رسوخاً في ذلك الزمان، فإنّ الانفتاح الحالي على ثقافات ومجتمعات بألوان وأشكال مختلفة، يجعل من الصعب وضع معيار واحد، إلّا إذا كان المقصود فعلًا هو عولمة مقاييس الجمال دون اعتبارات للاختلاف.

عكس الشعر الجاهلي كنص، الواقع الذي عاشه الشاعر في زمانه من خلال استعانته بأدواته الشعرية، وكانت المرأة من ضمن تلك الأدوات، لذا لم ينجح من ذلك النوع إلّا ما نبع من وجدان الشاعر، معبّراً عن تصديه لما هو غير واقعي من التصورات. وبالرغم من اعترافنا بحقيقة أنّ الخيال في الشعر يخدم هذا الواقع في كثير من الأحيان، إلّا أنّه ليس لدرجة أن نسترجع نماذج من خزانة الشعر الجاهلي ونعالجها شعراً أو نثراً لتصبح صالحة لزمننا المعاصر. ولن يكون إلّا مخالفاً للواقع وخارجاً عن الزمن ذلك الذي يأتي في يومنا هذا ويقول عن امرأةٍ ما بمثل ما قال الأعشى:»غراء فرعاء مصقول عوارضها، تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوحل».

يعرف الشعر الجاهلي بأنّه شعرٌ وصفي حسي، اهتم بوصف المكان ومظاهر البيئة وكل ما يتراءى أمام الشاعر وما يعايشه من أحداث. ومن الأماكن التي تعتبر مولدات شعورية لدى الشاعر الجاهلي هي ديار الحبيبة، كما اهتم بدربها الذي تسلكه لتصل إلى مورد الماء لسقي أغنامها وجِمالها، موقع السمر مع صويحباتها، وحتى مكان مبيتها داخل دارها. وقد اهتم الدارسون بهذا النوع وقاربوا بينه وبين النسيب وهو النوع الخاص ببث الشوق وتذكر الأيام الخوالي وتمنّي عودة تلك الأيام، وقد رفعوا هذا النوع الأخير درجات أعلى من الغزل.

بالرغم من أنّ أهم أغراض الشعر العربي الجاهلي هي الوصف، ودخل الغزل وذكر النساء في هذا الوصف بأن يذكر الشاعر الحبيبة ومحاسنها ومشاعره تجاهها، إلّا أنّنا نجده مقارنة بمدارس شعرية حديثة، هو أكثر تعففاً عند ذكر المرأة. ولم يخلُ الشعر الجاهلي من استحسان أدب المرأة وعفافها، ولم يقتصر هذا الاستحسان على الشعراء من القبائل العريقة، إنّما حتى الشعراء «الصعاليك» وهم الذين كانوا يغزون ويسلبون القبائل الغنية ليوزعونها على المنبوذين والفقراء مثل الشنفرى الذي أعجبه حسن أدب المرأة وقال فيها:

«لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعها إذا ذكرت ولا بذات تلفّتِ

كأنّ لها في الأرض نسياً تقصه على أمها وإن تكلمك تبلَّت»

وبالرغم من أنّ سمة الغزل في الشعر الجاهلي هي الغزل الصريح إلّا أنّ أكثر ذلك الشعر وأعذبه لم يكن إلّا مجرد تمنٍّ برؤية تلك الأجزاء المتخيلة من جسد المرأة. وتلعب أسباب مثل ندرة مشاهدة الرجال للنساء، ونفور العرب من ذكر أوصاف نسائهم في أشعار تتناقلها الركبان عوامل رئيسة أدت إلى كثرة الغزل في الشعر الجاهلي وهو نتاج لما يولده الحرمان.

أما الصفات الحسية الجمالية والتي أعلنها الشعر الجاهلي لم تذهب كلها مع ريح الحداثة، فقد تم إنعاشها وما زال بعضها من الصفات المحببة في المرأة مع الاختلاف في بعض التفاصيل، كضخامة الجسد وكسلها وغيرها من الصفات السالبة. والواقع أنّ الشاعر الجاهلي أحبَّ الصفات التي وجدها في امرأة بيئته، فقال عنها بفطرة شديدة التوهج كل ما لا يستطيع إدراكه. ولو جيء بامرئ القيس نفسه الآن لما قال ما قال، لأنّ ما يُفترض أن يلهب خيال الشعراء وغيرهم في امرأة اليوم هو أعظم وأجلّ من صفاتها الحسية. أما شعراء الغزل المعاصرون فقد تقلّب بين أيديهم الشعر وتغيّر على مدى العصور الحديثة، حتى غدا متصاعد الوتيرة ما بين حسي صريح ورمزي.

تتسع الفراغات بين تصنيف الأمس واليوم، كثنائيين متضادين، ولكن بالنظر إلى تغيّر الزمان فإنّ هذه ليست المشكلة، إنّما المشكلة في الآليات المُتخذة في التقييم الذي يُوضع في شكل تعدٍّ سافر لقلب العقل الجمعي ثم توحيده بممارسة سياسة الرفع من شأن بعض الصفات وخفض الآخر بناءً على ما يخدم بيوت الأزياء وشركات الموضة. هذه الشركات لا تقترح فقط ولا تقيس الميول والاختلاف، بل تضع خطاً وترغّب فيه بحيث يصعب الحياد عنه. وذلك لينتشر القانون المُسيِّر والذي يجيز جمال المرأة ومقاسات طولها وعرضها وغيره ويُروّج له في الأسواق والطرقات وعلى قارعة الإنترنت وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، واللقاءات العائلية والاجتماعية وغيرها، فإن عزَّ النموذج الواقعي خلقوا آخر افتراضياً ورفعوه درجات حتى يصير واقعاً.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .