دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 22/10/2019 م , الساعة 12:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

خذلان المجتمع الدولي يهدّد الانتقال السوداني

خذلان المجتمع الدولي يهدّد الانتقال السوداني

بقلم  / د. خالد التيجاني النور - كاتب وصحفي سوداني :

على الرغم من الترحيب البادي الذي أظهره المجتمع الدولي للثورة السودانية الثالثة، والإعجاب الذي أبدته بالدور الذي لعبه الشباب من الجنسين لا سيما الفتيات وما أثبتوه من بسالة وإقدام وتضحيات جسام، حتى الإطاحة بالنظام السابق الذي ظل لفترة طويلة من عهده تحت وطأة حصار دولي خانق على خلفية انتقادات واسعة لممارساته، إلا أن السودانيين خابت توقعاتهم بأن سقوط النظام المطارد دولياً سيعني أن استعادة السودان لدوره ومكانته وتطبيع علاقاته الخارجية سيكون أمراً تلقائياً بانتفاء وجود السبب في تلك القطيعة بكل حمولاتها وتأثيراتها السلبية شديدة الوطأة على البلاد لاسيما تجلياتها في تردي الأوضاع الاقتصادية التي أنتجت احتقاناً سياسياً واجتماعياً وكانت سبباً مباشراً في اندلاع الحراك الشعبي.

ومرت خلال الأشهر العشرة الماضية منذ بداية الحراك، ومروراً بسقوط النظام السابق في أبريل، وحتى تشكيل الحكومة الانتقالية قبل شهرين، فترة كافية ليتجسّد فيها التعبير عن التأييد لهذا التغيير الكبير بإجراءات محدّدة لدعم الحكومة المدنية، التي ضغط المجتمع الدولي بشدة لتمكينها من أخذ زمام الأمور وقيادة البلاد فعلياً خلال الفترة الانتقالية، غير أن حكومة الدكتور عبدالله حمدوك التي تولّت هذه المهمة الصعبة في ظل ظروف بالغة التعقيد، وفي ظل تحديات ومخاطر جسيمة تهدّد صمودها، وبالتالي تضع استقرار البلاد على المحك، تواجه تحدياً كبيراً لم يكن وارداً في حساباتها، حيث اكتشفت أن من يضع العصي في دواليبها هو المجتمع الدولي نفسه، الذي لا يزال يرفض تحرير شهادة وفاة للنظام السابق، وفوق ذلك يحمّل الحكومة المدنية كل تبعاته بالإبقاء على الدولة والمجتمع السوداني رهينة لإرث النظام السابق، ولأجندة عواصم القرار الدولي.

فقد شهدت العاصمة واشنطن الأيام الفائتة أعمال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي، التي شاركت فيها الحكومة المدنية الجديدة للمرة الأولى بوفد يقوده وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور إبراهيم البدوي، الذي سبق له العمل كخبير اقتصادي في الصندوق، لم تكن مشاركة السودان ولا أجندته من هذا الاجتماع كسائر الدول الأعضاء في مؤسسات بريتون وودز، ذلك أن حاضر السودان الاقتصادي، وكذلك تبعات ذلك السياسية والاجتماعية، ومستقبله رهينة بمعالجة وضع البلاد المعقد والمتشابك بفعل عبء ديون خارجية متراكمة تقارب سقف الستين مليار دولار، تزيد كل عام ولا تنقص، بحكم تراكم فوائد خدمة الديون، وتراكم الجزاءات العقابية جراء عدم القدرة على تسديد الديون التي تضاعف حجمها أربع مرات من أصلها الذي يبلغ خمسة عشر مليار دولار، والمفارقة في هذه الديون أنها موروثة من قبل النظام السابق الذي كان محروماً من الحصول على تمويل أو قروض من المؤسسات الدولية، وإن حصل بالطبع على مثلها ثنائياً من الصناديق العربية ومن الصين،

تشكّل أزمة الديون الخارجية على السودان كعب أخيل لأي محاولة لإنعاش الاقتصاد السوداني، وهو ما ظل رئيس الوزراء يركّز على التنبيه إليه، بيد أن العقدة في هذه المسألة لا تتعلق باعتبارات اقتصادية بحتة، وبالتالي إمكانية وجود فرص لمعالجتها في هذا الإطار، بل بتحوّلها لتصبح أداة سياسية بامتياز في أيدي الدول الغربية صاحبة القرار في المؤسسات الدولية الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في توظيفها بفاعلية في خدمة أجندة سياساتها الخارجية، بصفة عامة وفي المسألة السودانية على وجه الخصوص، وهو ما جعل قضية الديون السودانية خارج قدرة المؤسسات الدولية الاقتصادية لمعالجتها ضمن الأطر الفنية المتاحة لذلك كمبادرة إعفاء الدول المثقلة بالديون (هيبيك)، حيث أستوفى السودان شروط التأهيل الفني للاستفادة منها، وقد استفادت عشرات الدول الفقيرة منها، إلا أن السودان ظل عاجزاً عن ذلك بفعل ربط معالجة أزمة ديونه بفيتو أمريكي على خلفية تصنيف الولايات المتحدة للسودان ضمن لائحة الدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993.

لم يتغيّر موقف صندوق النقد والبنك الدولي في محادثاتهما مع مسؤولي الحكومة السودانية الجديدة عمّا كان عليه الوضع إبّان النظام السابق، دون أدنى اعتبار لكل الملابسات الجديدة، فالمؤسستان تعلنان أنه ليس بوسعها تقديم أكثر من المشورة والعون الفني المحدود، أما تطبيع العلاقات والحصول على تمويلات جديدة سواء كانت منحاً أو قروضاً والتي تحتاج لها الحكومة الجديدة بشدة لتحريك برنامجها الإسعافي الاقتصادي فليس وارداً ما لم تتم مخاطبة مشكلة الدين بمتعلقاته، ويتفادى المسؤولون في المؤسستين تحميل المسؤولية للولايات المتحدة صاحبة الفيتو، ويكتفون بتقديم نصح مبطن بضرورة تطبيع علاقات السودان معها قبل الشروع في بحث معالجة الدين.

والمعضلة في الجانب الأمريكي تتعلق أساساً بتصنيف السودان ضمن لائحة الدول الراعية للإرهاب، ذلك أنه ما إن يتم الإدراج في هذه القائمة حتى يترتب عليها إطلاق سلسلة من العقوبات الاقتصادية تحت مظلة العديد من التشريعات، تتضمن تقييد المعاملات التجارية، والمصرفية، غير أن أهمها في حالة السودان أنها تمنع ممثلي الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية من التصويت فيها لصالح إعطاء قروض أو مساعدات مالية للدول المصنفة راعية للإرهاب، وبذلك أصبحت مسألة ديون السودان محاطة بتعقيدات الموقف الأمريكي، وما لم يتم محو اسمه من هذه اللائحة فلن يكون بوسعه لا الحصول على إعفاء من تسديدها، ولا حتى إعادة جدولتها، كما لن يتاح له أيضاً الحصول على مساعدة المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي التي تقدم قروضاً ميسرة طويلة الأجل للدول الفقيرة المثقلة بالديون، وهو خيار تأمل الحكومة الانتقالية في الحصول عليه عن طريق محاولة إقناع واشنطن بفصل هذا المسار عن قضية مسار لائحة للإرهاب، ولكن من المستبعد في ظل المعطيات الراهنة أن تتم الاستجابة له.

والموقف الأمريكي المتشدّد بهذا الخصوص حتى الآن يبرر ذلك بأن مسألة رفع اسم السودان من لائحة دعم الإرهاب يستلزمه فترة غير محددة من الزمن بفعل تعقيدات قانونية، وقد بدا واضحاً تأثير العامل الأمريكي في موقف الرئيس الفرنسي ماكرون الذي استقبل رئيس الوزراء حمدوك بحرارة في الإليزيه الشهر الماضي، ووعد بتنظيم مؤتمر دولي في باريس لمعالجة قضية الديون السودانية، إلا أنه عاد وربط إمكانية وتوقيت قيام المؤتمر بقرار الإدارة الأمريكية بشأن وضعية السودان في لائحة الإرهاب.

ولا شك أن الحكومة المدنية الانتقالية ستجد نفسها في ظل هذا الإحجام الدولي عن مد يد العون لها في هذا المنعطف العصيب مواجهة باستحقاقات داخلية لا يمكن الوفاء بها مع تعاظم التوقعات بحجم التغيير المنتظر منها على الصعد كافة، ولا سيما اقتصادياً، وهذا ما يجعل قدرتها على الصمود محدودة للغاية في ظل تقصير المجتمع الدولي عن نجدتها، مما يفتح الباب أمام الاحتمالات كافة حول مصير السودان السياسي.

khalidtigani@gmail.com

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .