دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 28/10/2019 م , الساعة 1:22 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

إرهاصات قمة «سوتشي»

إرهاصات قمة «سوتشي»

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

قد تُعدُّ استضافة روسيا للقمّة الروسيّة الإفريقيّة المُشتركة في مدينة سوتشي يومَي 23-24 أكتوبر الجاري، فريدةً في نوعها من حيثُ التوقيت والظرف الدقيق الذي تعيشه القارة الإفريقيّة، كما تعانيه روسيا في تحرُّكها الإقليميّ في الشرق الأوسط وعلى مشارف إفريقيا. ثمّ التركيز على مصر باعتبارها الرئيسَ الحالي للاتحاد الإفريقيّ، إذ حسبما أفاد مُتابعون أنّ القمّة الروسيّة الإفريقيّة حقّقت الكثير من المكاسب لمصر، أهمُّها إمكانية أن تلعب موسكو دور الوسيط في نزاع سدّ النهضة، وزيادة آفاق التعاون الاقتصاديّ والتجاري خصوصًا في مجال البنى التحتيّة، ولاعتبار أنّ مصر البوابة الرئيسيّة للقارّة السمراء، وفي قلب الشرق الأوسط والأقرب إلى بؤرة الصراع العربيّ الإسرائيلي.

جاء الاهتمام الروسيّ بقارة إفريقيا خاصةً شمالها منذ القرن الثامن عشر بالتوجّه نحو سواحل البحر الأبيض المُتوسّط، ضمن سياسة توسعيّة اعتمدت على اعتباراتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ وتجاريةٍ. في تلك الفترة انتهج الإمبراطور بيوتر ألكسييفيتش رومانوف، قيصر روسيا الخامس سياسة تحديثٍ استطاعت تحويل روسيا القيصريّة إلى الإمبراطوريّة الروسية، وأصبحت بذلك إحدى أهمّ القوى، بالإضافة إلى الإمبراطورية العثمانيّة. ولكنّها لم تصل إلى حدِّ تحقيق أطماع استعمارية في شمال أفريقيا، لأنّ الامبراطورية العثمانية على الحدود الجنوبية لروسيا حالت دون تحقيق ذلك. وتطورت علاقات روسيا في إفريقيا إلى علاقاتٍ دبلوماسيةٍ وتجاريةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ بلغت ذروتها في ستينيات القرن الماضي.

تجاذبت أفريقيا، القطبية الشرقية والغربية وشكّلت تكوينها السياسي والثقافي والاقتصادي. الآن وبعد أن مرت من تحت جسر العلاقات مياه كثيرة، وبعد أن تغيّرت ملامح المنطقة ورسمت خريطة جديدة تختلف عن تلك التي عهدتها روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) أوان عقد تحالفاتها أيام الحرب الباردة، عادت روسيا من جديد بعد انسحاب القطبية الأحادية الأمريكية. وفي العودة الجديدة لروسيا جاءت إلى المنطقة بوهج المنافسة الإقليمية بعد غياب طويل، قد يجعل منها لاعباً رئيساً وحيداً إلى أن تعيد أمريكا ترتيب أوراقها. ورمت روسيا بثقلها للعب دورٍ تستعيد فيه وجودها في شمال أفريقيا بتعميق وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والعلاقات المشتركة التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي حيث ساهمت روسيا في إنشاء العديد من المشروعات العملاقة من أهمها السد العالي.

اختارت روسيا عدة نقاط تمثل محاور اهتمامها ونشاطها في شمال أفريقيا ولكن جاء تركيزها الأكبر على مصر أوان توتر العلاقات المصرية الأمريكية، فقامت روسيا ومصر بتوقيع اتفاقيات عديدة منها اتفاقية منح مصر أنظمة دفاع جوي حديثة. هذه الخطوة الواسعة هي بمثابة تنبيه روسي للولايات المتحدة الأمريكية، من أنّها في طريقها لضم أحد أهم الدول التي كانت حليفتها في المنطقة والتي كانت تتمتع معها بعلاقة إستراتيجية وعسكرية تقوم على تبادل المصالح بمنح السفن الأمريكية الأولوية في عبور قناة السويس واستخدام مجالها الجوي، مقابل منحة أمريكية عبارة عن مساعدات عسكرية سنوية بما يساوي 1.3 مليار دولار، جمدتها أمريكا احتجاجاً على عزل أول نظام ديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير والانقلاب على الشرعية. ثم ما تبع ذلك من تمييع للمواقف السابقة بأن توانت الولايات المتحدة عن الصمود مع الثورة إلى التحالف بالقبول الصامت لنظام الانقلاب.

يتضح أنّ أمريكا اتخذت قرار تغيير سياستها نحو شمال أفريقيا لعدة أسباب ليس من بينها المزاحمة الروسية في إيجاد موطئ قدم إلّا بمقدار ملء الفراغ الناتج عن هذه الإرادة. وتلك الأسباب تتمثل في اقتناعها بعدم جدوى الاعتماد على النُظم السياسية القائمة في خلق توازن في المنطقة، خاصة مع فتح مسارات جديدة للتفاهم الأمريكي الإيراني. هناك أيضاً أسباب اقتصادية واستراتيجية وهي ما جعلت أمريكا تتجه شرقاً نحو النمور الآسيوية لخلق تحالفات جديدة خاضعة لمبدأ المصالح أيضاً.

تعود روسيا اليوم وجديد العودة الروسية إلى المنطقة لا يقتصر على علاقات اقتصادية فقط بل هناك صفقات تسليح وتعاون أمني في مكافحة الإرهاب وتكثيف المبادلات التجارية. فغير مصر هناك محطات واعدة بدأت بالزيارات الدبلوماسية مثل الجزائر والمغرب والسودان. أما أهم ما يميز عودة روسيا إلى شمال أفريقيا في هذه الفترة فهو خلو الاتفاقيات ومواثيق التعاون من أي برامج أيديولوجية. فعندما موّل الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشوف بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي بما يقرب من مليار دولار ودعم الجيش المصري أيضاً وكان ذلك في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بعتاد وأسلحة روسية، فما كاد يفعل ذلك باليمين إلّا وأخذ بالشمال ولاءً مطلقاً لأفكاره الماركسية، كما رسّخ أيضاً لنفوذه الكبير لدى عبد الناصر تمثل في سيادة أفكاره ومحاولات تطبيقها على الحياة المصرية.

وضعت روسيا قدمها في مصر وهذا الوجود المبدئي يحقق لها عدة أهداف. أول هذه الأهداف أنّ مصر تعتبر البوابة الاستراتيجية والمدخل الأنسب لقارة إفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء حيث الثروات البكر من اليورانيوم والذهب والكوبالت والنفط. وهذه المخازن الطبيعية قد تكون مصدر صراعٍ مستقبليٍّ بين روسيا وأمريكا خاصةً بعد انسحاب أمريكا من شمال أفريقيا ولكن بعد أن عززت وجودها في أفريقيا جنوب الصحراء وضمنت الممرات المائية التي تؤمن لها عبور نفط الخليج من مضيق باب المندب. فأفريقيا بالنسبة للقوتين الروسية والأمريكية مجال استثمار مستقبلي يتطلب اتفاقهما معاً خاصة مع وجود قوى أخرى هي التنين الصيني واختراقه لأفريقيا من وسطها. فقد دخلت الصين في عملية استكشاف وتصنيع نفط السودان قبيل انفصال دولة الجنوب عام 2011م، واليوم تنشر الصين نشاطها بعد أن آلت معظم آبار النفط لدولة الجنوب وبالإضافة إلى الدولة الوليدة فلها سوق أخرى في وسط وشرق أفريقيا، واكتفت من السودان بالتعاون في مجالات اقتصادية وتجارية وإنشاءات البنية التحتية.

في سياستها تجاه أفريقيا اختارت روسيا مصر نسبة لموقعها الرابط بين ثلاث قارات، وبهذا ستستعرض مقدرتها على تطوير المصالح الاقتصادية، خاصة مع الشركاء الأفارقة. وقد يزداد اهتمام روسيا بمصر بشكلٍ أكبر، خاصةً أنّ لقاء السيسي وآبى أحمد، على هامش أعمال القمة جاء بعد أجواء ملبدة بالغيوم إثر تعثّر المباحثات وتلويح إثيوبيا باستخدام الخيار العسكري وإمكانية خوض حرب لحماية سد النهضة، ثم قبول الوساطة الأمريكية التي ستكون مصدر قلقٍ لروسيا.              

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .