دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 29/10/2019 م , الساعة 12:42 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

السودان: موقف موروث غير مدروس في صراع سد النهضة

السودان: موقف موروث غير مدروس في صراع سد النهضة

بقلم / د. خالد التيجاني النور - كاتب وصحفي سوداني :

على الرغم من أنّ السودان ثالث ثلاثة هي الدول الأكثر أهمية في حوض نهر النيل الشرقيّ، وفي معادلة سد النهضة المُثير للجدل في ظلّ حسابات مصالح إستراتيجية بالغة التعقيد وسباق أجندة مُتقاطعة أحيانًا ومُتناقضة في أخرى، إلا أنّه لا يكاد يُعرف للبلد الأكبر مساحةً، ومجرًى لنهر النيل العظيم وفرصًا للاستثمار في أراضيه الشاسعة، موقفًا مدروسًا مُستقلًّا في شأن الصراع المُتصاعد والمحتدم بين أديس أبابا والقاهرة حول السد الذي تشارف أعمال تشييده على الانتهاء، وتتسارع خطوات بدء تشغيله المُختلف حولها، فيما السودان غائبٌ مرتهنٌ لموقف موروث غير مدروس لا أحد يعرف على وجه اليقين موقع مصالحه الإستراتيجية في هذا الخضم.

ففي حين تدفع كل من إثيوبيا ومصر بحججهما السياسية والفنية والجيوإستراتيجية في تدافعهما حول مُعطيات المنافع أو المضار المُترتبة على كلّ منهما من هذا المشروع الكبير، بقي موقف السودان تابعًا مُرتبكًا مُتنازعًا بين البلدَين مُتأرجحًا وفقًا لحسابات سياسية آنيّة للنظام الحاكم في الخرطوم حينها، يميل تارةً للطرف الإثيوبي عندما تسوء علاقته بالقاهرة، وفي أخرى يقف في المُنتصف محاولًا لعب دور الوسيط عندما تتحسّن العلاقات معها، وسط ظن غالب أن السودان سيفيد من قيام السد في كل الأحوال، دون وجود دليل قطعي من دراسة وطنية شاملة ذات بعد إستراتيجي متكامل تعزّز من صحة هذه الفرضية.

والقول إنّ استفادة السودان من قيام السد في كل الأحوال مجرد احتمال غير مختبر، ليس افتئاتًا ولا مُلقى على عواهنه، ويعود بنا ذلك إلى الملابسات التي رافقت بداية تنفيذ إثيوبيا لهذا المشروع الذي بدأ باسم سدّ الألفية قبل أن يتخذ من النهضة عنوانًا له، ومن المهم الإشارة هنا إلى أننا لا نتناول هذه المسألة في هذا المقال من زاوية فنية تريد أن تؤكّد أو تنفي فوائد أو مضار السد بالنسبة للدول الثلاث المعنية به، فهذا شأن آخر له مُختصّوه، كما أنه ينطلق من فرضية أن كل دولة هي الأقدر على تعريف مصالحها الإستراتيجية وحراستها وكيفية توظيف كل جهودها لخدمتها، وبالتالي ليست مهمّتنا تقديم أجوبة نيابة عنها، لكن معنيّ بالطبع بصورة محددة بتحليل وقراءة حيثيات الموقف السوداني، وعلى أي أسس تم اتّخاذ القرار بشأنه وما يترتب عليه.

ليس سرًا أنّ علاقة وثيقة، تقترب من درجة التحالف السياسي بين النظامَين، كانت تربط الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميلس زيناوي، إلا أنه مع ذلك لم يعرف السودان بنيّة إثيوبيا تشييد سد النهضة، مع كل ما هو معلوم بالضرورة من امتداد تأثيره على السودان في كل الأحوال سواء سلبًا أو إيجابًا، إلا عندما أبلغ زيناوي وزير الري السوداني السابق كمال علي، بشكل عرضي، عندما اجتمع به في أديس أبابا مبعوثًا من البشير لشأن آخر في يناير 2011، بأن أثيوبيا أرسلت آليات للبدء في تنفيذ السد، وقال الوزير كمال علي في تصريحات لاحقًا إنه فُوجئ بذلك وطلب من زيناوي مدّ السودان بالدراسات الفنية التي اتخذت على أساسها إثيوبيا الخطوة إلا أنها لم تأتِ أبدًا.

ولم يأتِ إلحاحه في طلبها بنتيجة حتى أُقيل من الوزارة لاحقًا، وجاء طاقم جديد للوزارة ما لبث أن دعم من فوره بشدة قيام سدّ النهضة، ولم تكن الأسباب التي دعت لذلك معلومة، وهل تمتّ نتيجة دراسات فنية مُكتملة الأركان أكدت فوائده القطعية للسودان واستبعدت مخاطره تمامًا، أم اتُّخذ القرار لصالحه لاعتبارات سياسية مُتعلقة بحسابات علاقة الخرطوم بأديس أبابا والقاهرة حينها؟.

ربما لم يشهد السودان في تاريخه القريب جدلًا حول قضية، لنقل ذات طابع فني بحت، مثلما عرف نقاشات محتدمة حول قيام سدّ النهضة وتأثيراته المُحتملة على السودان، شارك فيها الجميع بمن فيهم غير ذوي الاختصاص، وانقسم الرأي العام بين فريقَين مؤيد لقيام السد النهضة ومعوّل على فوائده الضخمة للسودان، وبين معارض لإنشائه يعدّد مخاطره وتأثيراته السلبية على البلاد، ولكن اللافت بشدّة للنظر في هذا الجدل الذي استغرق وقتًا طويلًا أنّه لم يكن مقتصرًا على المُهتمين من عامة الناس، بل كان أشدّ ضراوة بين كبار المُهندسين من الخبراء الفنّيين المُختصّين في المجال، وشاركت فيه شخصيات ذات وزن في المجال بمن فيهم وزراء تعاقبوا على وزارة الري على مدار سنوات طويلة، غلب التحفظ على وجهة نظر أكثرهم المعلنة على المشروع.

كان واضحًا أنّ هذا الجدل السوداني غير المحسوم، على خلاف ما كان عليه الأمر في كل من مصر وإثيوبيا، حيث هناك توافق وطني في كلتا الدولتين على المستوى السياسي والفني حول الموقف من السد وتبعاته، يشير بصورة واضحة إلى أنه لم تكن هناك أية حيثيات علمية نتيجة دراسة فنية مسبقة معتبرة توافرت لها كل المعطيات الموضوعية والشمول بشأن القرار المُتخذ بتأييد السودان الرسمي لقيام سد النهضة، والمقصود هنا أن تكون هناك دراسة خلصت إلى هذه النتيجة بعد طرح كل الآراء المُختلفة للنقاش في إطار علميّ مؤسسيّ درس الموضوع بجوانبه كاملة، وازن فيه بين الحيثيات بحيادية ودقّة قبل الخروج بموقف مُتفق عليه، لكن ذلك للأسف الشديد لم يحدث، فقد تحوّل الأمر إلى صراع مفتوح بغرض الانتصار للموقف المتخذ مُسبقًا، وما تتناوله بعض أوساط وزارة الري السودانية عن إجراء دراسات حول تأثير السد على السودان، بغض النظر عن قيمتها العلمية، إلا أنها جاءت لاحقة للقرار السياسي، بهدف تعزيزه فنيًا، ومحاولة اقتراح بعض المعالجات لتلافي بعض أوجه القصور البيّنة في تشييد السدّ، خاصة بعد صدور التقرير الفني للخبراء الدوليين بهذا الصدد. مع العلم أن الدراسات الفنية التي طالبت بها اللجنة لبيان الآثار المترتبة على السد لم تُنجز حتى اليوم.

ولكنْ للأمر جانب آخر لا يقل أهمية، فسد النهضة ليس مجرد مشروع فني لتوليد الكهرباء، وليس مجرد أداة لتمكين إثيوبيا من التوسع في مشروعها التنموي، ولكن الأهم أنه أداة بالغة الأهمية في يد إثيوبيا بما يعيد تشكيل التوازنات الجيواستراتيجية في المنطقة، وبالتالي تعظيم دورها الإقليميّ، من خلال تمكّنها من السيطرة على أسباب الحياة في دولتَي المجرى، والمصب، ولئن بدا أن السودان قد يكون أقل تضررًا من باب توفره على بدائل، فإن مستقبل مصر ومصيرها يصبح بالكامل خارج إرادتها، وهو ما يفسر أبعاد معركة كسر العظم الحالية في مجال صراع النفوذ الحيوي في المنطقة.

ومع التغيير الذي حدث في السودان إلا أن التعاطي مع قضية سدّ النهضة لا يزال يدار بموروث النظام السابق، وفي ظل اشتداد الصرع المصري الإثيوبي الذي سيكون السودان أحد ساحاته بلا شك، فإنه من الواجب على الحكومة الجديدة أن تخلق إطارًا مؤسسيًّا شاملًا يضمّ كافة الأطراف المعنية، فنيًا اقتصاديًا بيئيًا اجتماعيًا عسكريًا أمنيًا ودبلوماسيًا، وغيرها لتدرس هذه القضية بعمق إستراتيجي وتتخذ القرار الذي يحفظ استقرار السودان وأمنه ومصالحه الراهنة والمُستقبلية،

فالأمر أخطر من أن يُترك لموقف موروث غير مدروس، أو لجهة فنّية معزولة عن سياق وأبعاد الصراع الجيواستراتيجيّ في حوض النيل.

 

khalidtigani@gmail.com

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .