دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 7/10/2019 م , الساعة 1:17 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

الدور اللبناني في النهضة العربية

الدور اللبناني في النهضة العربية

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

يلي الدور اللبناني الدور المصري في حركة النهضة العربية من حيث الأهمية، ويمتزج الدوران ويتكاملان. وإذا كان قسم كبير من المثقفين اللبنانيين قد هاجر إلى مصر وسواها منذ أواخر القرن التاسع عشر هرباً من الاضطهاد العثماني، فإن من بقي لا يقلّ شأناً عمن هاجر.

وإذا كان قد تعذّر على هؤلاء الباقين مواجهة الولاة العثمانيين في السياسة، فقد كانت المواجهة في الثقافة، وذلك عن طريق الاهتمام باللغة العربية وإحيائها وتسهيل معاجم اللغة.

كانت اللغة العربية في البلاد العربية في القرن التاسع عشر قد فسدت وانحطّت. وفي بعض بلاد الشام، ومنها مدينة طرابلس، كان تدريس العربية يتم بواسطة اللغة التركية. وقد وَجَدَت العربية في لبنان ملاذاً كانت تفتقر في حينه إلى مثله فانصرف علماء اللغة في مدارسه إلى وضع القواميس والمعاجم وتيسير المعاجم العربية القديمة، كما فعل المُعلّم بطرس البستاني مع كتاب الفيروز أبادي في جزئي «محيط المحيط»، مضيفاً زيادات وذاكراً مواضعات المولّدين واصطلاحات العلوم.

وجمع سعيد الشرتوني بعد ذلك «أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد» في جزءين. وأخرج جرجس همّام «معجم الطالب» في المأنوس من متن اللغة، والاصطلاحات العلمية والعصرية. وأخرج الأب لويس المعلوف «المنجد» وهو أول معجم عربي مُصوّر، وفيه أيضاً الكلمات المُحدثة ومصطلحات العصريين. وعُني الشيخ إبراهيم اليازجي بتأليف «الفرائد الحسان من قلائد اللسان»، كما أخرج الجزء الأول من «نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد». وصدر لأحمد فارس الشدياق «غنية الطالب ومنية الراغب» ولسليم تقلا «مدخل الطلاب إلى فردوس لغة الأعراب» ولمحمد تلحوق «الأجوبة الجليّة في الأصول الصرفية» ولظاهر خير الله «الأمالي التمهيدية في مبادئ اللغة العربية»، ولجرجس صفا «الفرائد السنية في إيضاح الأجرومية»، وللأب جبرائيل إدة «القواعد الجلية في علم العربية»، ولرشيد الشرتوني «تمرين الطلاب في التصريف والإعراب»، ولسعيد شقير «طيب العرف في فن الصرف».. وما بين 1900 و1906 أصدر إبراهيم اليازجي في مصر مجلّته «الضياء» وهي مجلة تُعنى بقضايا اللغة العربية. ولو شئنا أن نسرد بقيّة جهد اللبنانيين في مسألة إحياء اللغة العربية لاحتجنا إلى صفحات كثيرة. على أن الجدير بالذكر هو أن عائلات لبنانية عدّة قد تخصّصت بالعربية لغة وأدباً وشعراً كآل اليازجي والبستاني والمعلوف. وهو جهد عظيم شكّل في حينه مزيجاً من الريادة والتنوير لم يقتصر أثره على لبنان وبلاد الشام، بل شمل العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه بما فيه مصر نفسها. وقد قال لي مرة الدكتور إبراهيم مدكور رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة إن ما قدّمه اللبنانيون للغة العربية لم يقدّمه شعب عربي آخر. ولشهادته بلا شك قيمة كبيرة.

على أن الجهد اللبناني في عصر النهضة لم يقتصر على إحياء العربية والتأليف في مسائلها، بل تجاوز ذلك إلى مجالات تنويرية أخرى منها دور النشر وإحياء التراث العربي الإسلامي والتأليف فيه وإصدار المجلات الأدبية الرائدة: كالأديب والآداب والرسالة والورود والبشير والمعرض وشعر. ولم تتمكن الحرب التي اندلعت في لبنان عام 1975 واستمرت 18 سنة، من القضاء على جذوة الثقافة والطباعة والنشر وإصدار الكتب، فأصدرت المطابع اللبنانية خلال فترة الحرب هذه من الكتب أكثر مما أصدرته قبل الحرب. فالمطابع اللبنانية تأتي بعد المطابع المصرية مُباشرة من حيث الإنتاج، وقد جاء وقتٌ تعذّر فيه على شعراء مصر وأدبائها ومُفكّريها طباعة أعمالهم في بلدهم زمن ثورة يوليو، فاصدروا أعمالهم هذه في لبنان.

ولو تساءلنا عن سرّ هذه الحيوية اللبنانية التي أشرنا إلى بعض جوانبها فيما تقدم، لما وجدناه إلا في عاملين اثنين: أولهما الأقليات وثانيهما البعثات التعليمية التي بدأت تفد إلى لبنان ابتداءً من القرن التاسع عشر ومنها الجامعة الأمريكية والجامعة اليسوعية اللتين تنافستا فيما بينهما وتحلّق حولهما نفر من الطلبة والمثقفين كان لهم دور ثقافي وتنويري بارز. وإذا كانت الجامعة اليسوعية قد عجزت لأسباب عن المُساهمة في النهضة العربية خارج لبنان، فإن الجامعة الأمريكية كانت ولا تزال إحدى منارات الإشعاع في لبنان والعالم العربي إلى اليوم. وقد بدأت هذه الجامعة بتدريس الطب والعلوم عند تأسيسها باللغة العربية، وهذا دليل على نزوع متحرّر من أي تفكير استعماري.

وفي هذه الجامعة درس روّاد لبنانيون كثيرون قصدوا مصر لاحقاً أو بلداناً أخرى في الغرب، كما درست أجيال لا تُحصى من مثقفي سوريا والعراق والخليج وبلدان عربية أخرى.

ولا شك أنه كان للأقليات اللبنانية - ولبنان كلُّه بلد أقليات - دور تاريخي في إحياء اللغة العربية والقومية العربية والتراث العربي وإقامة جسور التواصل مع الثقافة الحديثة والحضارة الحديثة. وإذا كان صدر ثورة يوليو في مصر قد ضاق بحريّة الرأي وبالتنوع الذي ساد أرض الكنانة قبلها، فإن لبنان مُرادف للحريّة والتنوّع والتعدّد ولا حياة له بدون هذه الكلمات الحُسنى التي إن فقدها فقد مبرّر وجوده، أو فقد وجوده ذاته. بلد مزروع على بحر، متطلّع على الدوام إلى الآفاق البعيدة، ولديه رغبة بالانفتاح والانتفاع بتجارب الآخرين واقتباس ما يراه مفيداً منها. ولديه على الدوام رغبة بتجاوز ما هو عليه إلى ما هو أكثر مُعاصرة وحداثة. مختبر جدة وحداثة لا معتقل للرأي أو للإنسان.

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .