دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 10/10/2019 م , الساعة 2:30 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

القــراءة.. شغف معرفي!

القــراءة.. شغف معرفي!

بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..

إن اعتُبِرت القراءة بالنسبة للعقل كالتمارين الرياضيّة للإنسان، فلأثرها في تنشيط الفكر وإغنائه ومدّه بحيوية التفاعل والعمل. هي القراءة الإيجابية، تستثمر الوقت فتغني حياة الفرد والجماعة، تختلف عن القراءة السلبيّة التي (تقتل الوقت) لدى باحثين عن تسلية خالصة.

تلك قراءة العقل المفكر المتفاعل فالمؤثّر الفاعل في مجتمعه؛ فلا يكون غنى العقل إذن إلا بالأعمال النّاضجة، بأقلام جادة، تجاهد للوصول إلى القارئ الحيوي الذي يستحقّها، أما كتّاب التسلية و(التعرّي) والناشرون السطحيون مروّجو التسلية الرخيصة والميوعة فالجامع المشترك بينهم جميعاً: إنما الكسب (المادي) السريع، نظير ما يهدر فيه قرّاؤهم أوقاتاً فائضة في حياتهم القاحلة التي لا غنى فيها لا لعقل ولا لروح.

ربما أدرك الفيلسوف الهندي (بيدبا) شيئاً من هذا؛ فوضعه في اعتباره وهو يؤلّف بمساعدة أنجب تلاميذه في عزلة علميّة سنة كاملة (كليلة ودمنة) على ألسنة الحيوانات؛ فحاول مخاطبة الطرفين، التوسّل بالتسلية للفكر، فظاهره تسلية للعامة تكتفي بها، لكن باطنه فكر للخاصة، يكون مفعوله فيها.

تختلف قيمة الكتابات فتختلف الاستجابات، فكتابات (قتل الوقت) لقرّاء أشباه متعلّمين لتجاوز فراغ لا تختلف عن لعب الأطفال الساذجة، أما كتابات (العنَت) فهي للقرّاء الجادين (لاستثمار الوقت) لخير أمة، فما أقلّهم! كتابة وقراءة! فتبقى قيمة المرء في الأمة الحيّة بعقله فيما يكتب ويقرأ ويفكّر؛ فالعقل ميّز الله به الإنسان دون الحيوان، أما (المتعلم) الذي لا يقرأ أصلاً فهو لا يختلف عن أميّ لم يعرف مدرسة في حياته ولا مرّ قربها؛ فهو مجرّد صورة بشرية، قال فيها (بشّار بن برد):

طول وعرض بلا عقل ولا أدب فليس يحسن إلا وهو مصلوب!

فهو عبء في الحياة، مجرد (شيء) كما قال عنه أيضاً (أبو العلاء المعرّي) لا نفع منه:

وإن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا في غمده والحمائل!

القراءة الجادة تضاعف الإحساس، بالوجود، بقيمة الفرد، بقيمة الحياة نفسها، تصنع الإنسان الفاعل في مجتمعه.

ما من قراءة ذات نفع إلا في الكتب الجادّة المؤثّرة؛ فهي في المجتمعات الحيّة «تحكم العالم»! حُكْم دقيق للمفكر الفرنسي (فولتير) فهي تصنع (الرأي العام) الحرّ الناضج، في الأمم الحيّة الحرّة التي يحكمها رجال (راشدون) شرعيون، يعيش فيها مواطنون أحرار يقظون، في تعاملاتهم ومواقفهم من الأنظمة؛ فيتضاعف هنا إحساس الكاتب والقارئ الجادين معاً بالمسؤولية، لكنّ معاناتهما تكبر في المحيط المتخلّف (أنظمة وشعوباً) فيكون التصدّع لديهما حاداً! فتتضاعف هموم الكاتب ذي الشعور بالمسؤولية! فيعاني وقارئه أمام (مواطن) و(حاكم) سعيدين بتخلفهما؛ فلا شعور لديهما بروح الحياة، هما في (شقاوة الجهل) يمرحان، يحسبان أنهما في النعيم يسبحان:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

القراءة: جهد ومعاناة، لكنها لذّة العقل والفكر والوجدان، مسؤولية لها جدواها ونتائجها فكرياً وروحياً، وفي شخصية الفرد وتطوّره. مستوى ذلك مرهون بمستوى القراءة ومستوى المقروء من كتابات. هي المعركة الكبرى في مجاهدة تفكير وإدارة أفكار، وإعلان ما أمكن منها في الناس لدى ناشر جاد يعرف قيمة الحياة الإنسانيّة المرهون ثراؤها بالكتاب أيضاً: تأليفاً ونشراً وقراءة.

ليست الكتب إذن أكواماً من الورق على الرفوف بل «مجموعة من أصوات البشرية البعيدة في الزمان والفضاء السحيق، نسمع الإنسان يتحدّث إلينا، عقل لعقل وقلب لقلب»(جلبرت هايت) غنى العقل والروح؛ فالقراءة بذلك أيضاً حبّ وفن، من أعذب الهوايات في المجتمعات المتحضّرة؛ فيصير هذا الهوى المحمود محل غيرة حتى من أولئك الذين «قد زيّنوا حياتهم بشهوة» روحية ناعمة «طويلة هادئة» (أناتول فرانس) هي: الكتابة والقراءة.

مشكلتنا في العالم الإسلامي وفي قلبه (الوطن العربي): هو (الجهل) و(الصّلف) و(الرعونة): حكّاما ومحكومين في قبضاتهم، مرعوبين، في الإدارات حتّى في (برلمانات)! فهؤلاء الجهلة يقول عنهم المفكر السابق ذكره «إن كل واحد منهم يرى نفسه مركز العالم، وهذا هو الوهم الشائع» لعُجبهم! فالتواضع «أكثر ندرة لدى الجهّال» وهو واحد من أدوائنا العربيّة.

يثبّت هذه الصورة ويدعمها في هذا الوضع أشباه (مثقفين) أو (متعلمين) يعتقدون أنهم (مفكرون)! لكنهم يتزاحمون؛ فيتصارعون حول الجهلة في الحكم، يتملقون مناصب وقربى، فهم سبّة في جبين الثقافة التي هي فعل بالرّأي الجاد والقارئ الحيويّ المتفاعل، عملاً لواقع زاخر أنيق. 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .