دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 13/11/2019 م , الساعة 3:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«الكفاءة المهنية».. الفريضة الغائبة في أزمة الصحافة المصرية !

«الكفاءة المهنية».. الفريضة الغائبة في أزمة الصحافة المصرية !

بقلم : سَليم عزوز(كاتب وصحفي مصري) ..

القول بأن حال الصحافة المصرية لا يسر عدواً أو حبيباً ليس خبراً.. ففي الأسبوع الماضي انعقد في القاهرة مؤتمر لمناقشة أحوال الصحافة تحدث فيه نقيب الصحفيين في جانب من الأزمة، وبصراحة أنتجها تخليه عن الدور الوظيفي له، كرئيس لهيئة الاستعلامات، ومعروف أنه لأول مرة في تاريخ هذه النقابة العريقة، يجمع النقيب بين صفته المهنية، والعمل في وظيفة حكومية. بيد أنه في الوظيفة يدافع عن الوضع الراهن، الأمر الذي لم يحدث في هذا المؤتمر!.

فالنقيب نفسه عندما ترشح لهذا الموقع في شهر مارس من العام الماضي، حدد مهمته في إنقاذ الصحافة، ووعد بعقد مؤتمر من أجل هذا الهدف. وفي يونيو الماضي دعت نقابة الصحفيين لورشة عمل عن الأزمة التي تعاني من الصحافة القومية، وفي مثل هذه الأحوال تتحول نتائج المؤتمرات إلى مجرد توصيات، لا تساوي الحبر الذي كتبت به، إن كان الحبر لا يزال فعلاً يُستخدم في الكتابة في زمن الكيبورد!.

تقارير أحد الأجهزة الرسمية، وهو جهاز التعبئة العامة والإحصاء ذكرت أن التوزيع اليومي للصحف الورقية لا يتجاوز ربع مليون نسخة، وهو رقم كاشف عن انهيار كبير في التوزيع، ويهدد بانقراض الصحافة المكتوبة، في بلد من صحفه من كانت توزع يومياً ما بين نصف مليون إلى مليون نسخة!

لم تعد هناك مؤسسة صحفية، أو صحيفة خارج هذه الأزمة، وفي السابق كانت مؤسسة كالأهرام مثلاً لا تواجه أزمات في تدبير مواردها، فالآن صارت كل المؤسسات الصحفية القومية (رسمياً) والحكومية (واقعاً) تعتمد على خزانة الدولة، في دفع رواتب العاملين فيها شهراً بشهر، مع حذف الكثير من الامتيازات التي كانوا يحصلون عليها في سنوات ما قبل الأزمة، وهو أمر يدهش المرء عندما يعلم أن هذه المؤسسات كانت تنفق الملايين سنوياً كهدايا للمسؤولين، ومن أول النائب العام إلى رئيس الدولة وأهل منزله، وقد كانت الثورة سبباً في كشف هذا الملف، وقام عدد من المسؤولين بالتنازل عن قيمة هذه الهدايا، ومنهم النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود، وإن كنا لا نعرف إن كانت هذه الأموال عادت للمؤسسات، أم أنها آلت لخزينة الدولة.

ومهما يكن فإن الصحافة القومية أحسن حالاً من الصحافة الحزبية والخاصة، فالأولى تجد دولة تنفق عليها، أما من دونها فتعاني مأساة حقيقية، وبعضها توقف عن الصدور، وبعضها في الطريق للتوقف، وجميع الصحف الورقية لم تتوقف عن خفض المطبوع ولكن التخفيض شمل أيضاً عدد الصفحات.

الإجماع يكاد يكون منعقداً على أن السبب في ذلك راجع إلى الاستبداد والتضييق على الحريات، باعتبار أن الصحافة لا تنمو وتزدهر إلا إذا وجدت الحرية. وكذلك إلى سبب الإعلام الجديد، ولجوء الناس إلى الإنترنت في الوصول إلى الأخبار!

وقد يكون هذا صحيحاً بدرجة أو بأخرى لكنه ليس كل الأسباب. وقد عانت مصر من الاستبداد في المرحلة الناصرية، ومع ذلك كانت تصدر صحافة رائدة في المنطقة، فالقصة في جانب منها هو أزمة الكفاءة المهنية، وهذه مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية، أن نجد رؤساء تحرير لا يجيدون كتابة المقال، ونظراً لهذا فقد جرى الترحيب بكل من هب ودب، ليكون كاتباً في هذه الصحف، ووصل الاستخفاف بالأمر، أن ينفذ إلى الصحف الكبرى من لا يستطيعون كتابة جملة مستقيمة!.

لقد عرفت الصحافة المصرية رؤساء التحرير الزعماء، لا أتحدث هنا عن الموقف السياسي، ولكن عن القيمة المهنية لكتابتهم وجدارتهم للانتماء للمهنة، فكان مقال لإبراهيم سعده رئيس تحرير «أخبار اليوم» يقيم الدنيا ولا يقعدها. وكان مقال لمصطفى شردي رئيس تحرير «الوفد» يرتفع بالتوزيع إلى ربع مليون نسخة إضافية، وهو الرقم الذي كانت تحققه «الأهرام» في عدد الثلاثاء، حيث موعد مقال فهمي هويدي، كما كان يحققه العدد الأسبوعي من نفس الصحيفة في يوم الجمعة، حيث الصفحات المتخصصة في الأدب وغير ذلك، وحيث الصفحة التي يكتبها عبدالوهاب مطاوع عن محن القلوب وأحزانها.

ولا ننكر أن صحيفة من الصحف الكبرى كان يُطلق على رئيس تحريرها أن عدد كتابه أكثر من عدد قرائه، لأنه كان يكلف محررين لديه بالكتابة له، لكنه مع ذلك كان يدرك معنى أن يكون رئيساً لمؤسسة صحفية كبيرة، فأحاط نفسه بالأكفاء المهرة الذين كانوا يغطون على تواضع كفاءته، ومجاملاته في التعيين، على النحو الذي حوّل المؤسسة إلى مخزن للعاطلين الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، وعندما انهارت المنظومة كان ما فعله جزءاً من أزمة مؤسسة، ومهنة، ونقابة!

بيد أن من يفتقدون للكفاءة المهنية الذين أوكل لهم مهمة رئاسة الدور الصحفية بعد ذلك، لم يستوعبوا تجربته، فكانت استعانتهم بمن هم أقل منهم كفاءة، وكان حشو الزوايا والأعمدة بكتّاب متواضعي القدرات، وإذا كنا قد عرفنا في مصر تقليد أن من يكتب في صحيفة لا يكتب في أخرى، ففي عهد هذا «الفرز الثالث» بلغة تجار السراميك، كان الكاتب يكتب في أكثر من صحيفة من هذه الصحف الجديدة، التي حققت في البداية نجاحاً زائفاً بفضل عملية الركود المهني، ثم تبدت العورات للناظرين فعندما غابت الحرية، وحضر الاستبداد، سقط أنصاف الكفاءات!

ولنا أن نعرف أن الرقابة فرضت طويلاً على الصحافة المصرية بعد حركة ضباط الجيش في سنة 1952، واستمر فرضها بعد تأميم الصحافة، لتصبح مرفقاً تابعاً للاتحاد القومي، ومن بعده الاتحاد الاشتراكي، الحزب السياسي الوحيد، وبعد أن انتقلت من «صاحبة الجلالة» إلى «جارية في البلاط» بحسب مصطفى أمين. وكانت تصدر في صفحاتها الأولى متشابهة، ومع ذلك لم تفقد مكانتها، واستمرت رائدة، ولمعرفة الفرق يمكنك أن تذكر كتّاب صحيفة مثل الأهرام في هذه المرحلة، ومن يكتبون فيها الآن!.

فقديماً كان لويس عوض، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ، والآن لا يحضرني اسم كاتب واحد، غير أنه في مرحلة ما بعد الثورة كان من كتابها نادر بكار!

وفي المرحلة الأولى تناوب على رئاسة تحريرها محمد حسنين هيكل، وعلي أمين، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ولا نستدعي أسماء من يتولون أمرها الآن، ففي الحقيقة إنها خيارات تدميرية، بدأت منذ اختيارات جمال مبارك وبمساعدة صفوت الشريف في سنة 2009!

في طفولتنا المهنية كنا نقيّم موسى صبري بموقفه السياسي عندما كان رئيساً لمؤسسة أخبار اليوم، لكن لم يكن يختلف أحد على أنه صحفي فاحش الموهبة، وأنه رائد في مهنته ومعلم من معلمي الصحافة الكبار، فوصل الحال إلى صاحب مقال «طشة الملوخية» في عهد جمال مبارك، الذي يعد الوضع الحالي امتداداً له وليس قطيعة معه!

في الزمن الأول كان الحكم محظوظاً بأن من يحيطون به هم أهل الكفاءة، الذين تشكلت موهبتهم في عهد ما قبل الاستبداد وفي كل المجالات. فالكبار كانوا في الصحافة وفي الفن وفي السياسة، وإذا اختار الحكم صغيراً، سعى لأن يكون جديراً بالكرسي الذي جلس عليه العمالقة، ولا يهبط بالمنصب لمستوى قامته هو!.

فكان التعويض لغياب الحرية بالاستناد على الكفاءة المهنية، فلا يجوز تعليق الفشل كله على شماعة الاستبداد، كما لا يجوز الركون إلى قصة ظهور الإعلام الجديد، وظهور الإنترنت، لتبرير انخفاض توزيع هذه الصحف، ذلك بأن انصراف القراء عن المطبوع لم يقابله زيادة في أعداد الزائرين للمواقع الإلكترونية التي تطلقها هذه الصحف.

وقطعاً، ليس ما سبق هو كل الأسباب!           

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .