دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 4/11/2019 م , الساعة 1:23 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أسباب الأزمة في لبنان

أسباب الأزمة في لبنان

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

إذا استدعينا النظريّة الماركسيّة التي تُسمّى «بقانون الثورة» وطبّقناها على ما يجري في لبنان في الوقت الراهن أمكننا فهْم وتفسير هذا الذي يجري. تقول هذه النظرية إنّ الثورة تحصل عندما لا يستطيع الحاكمُ أنْ يحكم كالسابق، وعندما لا يستطيع المحكوم أن يحيا كالسابق، وهذا عين ما يراه العالم اليوم في بلد تحوّل في السنوات الأخيرة على الخصوص إلى نموذج مُتميّز للفساد، وإلى مدارس وجامعات تصدّر خريجيها على الفور، إما إلى بلدان الخليج، وإما إلى بلدان الاغتراب البعيدة مثل كندا وأستراليا وأمريكا اللاتينيّة. وقد تعذّر إصلاحه لأسباب مُتعددة في طليعتها الطائفيّة. فكما كانت الطائفية سبب نشوئه، تحوّلت بعد ذلك إلى سبب شقائه، إذ حالت دون وصوله إلى «الدولة» بالمعنى المعروف للكلمة. فلا دولة فيه بل طوائف وطائفية وزعماء طوائف يتقاسمون البلد وخيراته ووظائفه، كما يتقاسم الشركاء أرباح شركاتهم، فلا يبقى للآخرين سوى الفتات، هذا إذا بقِي. وقد تعذّر تحول هذا الوضع الفوضوي الذي لا يأتلف مع جوانب حضارية أخرى إلى «دولة» كباقي الدول تعتمد فكرة «المواطنيّة»، و»المواطن» لأسباب داخليّة وخارجيّة، فظلّ لبنان بلدًا له وجوه مُختلفة لا تُشاهد إلا فيه. فكما هو أحد الأسماء السامية في ثقافته وحضارته في المنطقة، هو أيضًا بلد الميليشيات والعصابات واللصوص وانعدام الأمن والفوضى وما إلى ذلك.

ولكن السنوات الأخيرة تمخّضت عن أوضاع اقتصادية ومعيشيّة واجتماعيّة لم تكن محسوبة، زاد في وطأتها الصراع في المنطقة بين الولايات المتحدة وأنصارها من جهة، وإيران من جهة ثانية، وبالتالي انكفاء الخليجيين عن القدوم إلى لبنان وما كانوا يؤمّنونه له في السابق. وهكذا بات حلم الأجيال الجديدة هو تأمين فيزا وتذكرة سفر إلى بلد من بلدان الاغتراب. وقد لا نبالغ إذا ذكرنا أن عدد الذين هاجروا من لبنان هجرة نهائية في ربع القرن الماضي هم في حدود المليون، وقد عوّض عنهم النازحون السوريون الذين هم في حدود المليونين والذين يزاحمون اللبنانيين الآن لا في لقمة العيش وحسب، بل في مُختلف مجالات العمل أيضًا.

يصل الدين العام في البلد السعيد إلى 152 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي نهاية عام 2019، وعندما تكون البطالة في حدود ثلث القوة العاملة لمن هم دون ال 25 سنة، ولا تصل نسبة من يعيش على خط الفقر أو دونه إلى 30 بالمئة على أقل تقدير، وعندما تتهاوى الطبقة المتوسطة بقوة وهي عنصر استقرار وازدهار أساسي في أي مجتمع، تصبح الهجرة عنوان الخلاص والحلم بالحياة الكريمة، وتصبح الشهادة الجامعية بمثابة دعوة للسفر، ويصبح البلد بمثابة مصنع يصدّر أبناءه المُتعلمين إلى الخارج.

ولو أراد أحدنا أن يبحث عن صفة أساسية للأحداث التي يشهدها لبنان منذ عشرين يومًا، لوجد أن الطابع الاجتماعي والمعيشي هو ملمحها الأوّل.

فالمطالب واحدةٌ، ولكن العجز المتمادي عن معالجتها هو سيد الموقف. ولا أمل بأية حلول لها، إذ لا مشروع عند أحد ممن هم في السلطة أو من الطبقة السياسية لنقل البلد من حال إلى حال. ومن هم في السلطة هم كل الفئات التي تعمل في السياسة، ولا معارضة تُذكر، لأنه لا أحد غير ممثل في الحكومة. وعندما تأتي الحكومة لتمثل أمام مجلس النواب تنال الثقة بما يشبه الإجماع في حين تكون الديموقراطية في مأتم حقيقي.

على أن ما يُحمد لهذه الفئة الحاكمة، التي لا تُحمد على شيء، هو أنها وحّدت اللبنانيين لأوّل مرّة في تاريخهم. يُضرب المثل عادة بانقسام اللبنانيين وتوزعهم على طوائف ومذاهب وتعذّر التقائهم على هدف. وتاريخهم هو بصورة من الصور تاريخ صراع خفي حينًا وعلني حينًا آخر. ولكن أُتيح للمُراقبين والدارسين أن يشهدوا مشهدًا عجبًا خلال الأحداث التي تعصف بلبنان لم يعرفوه يومًا في بلد الأرز. فالمظاهرات والساحات ضمّتهم جميعًا بلا استثناء، وقد وصلت المظاهرات إلى مناطق النبطية وصور وبعلبك والهرمل وهي مناطق شيعيّة، كما وصلت إلى كل منطقة لبنانيّة أخرى. لقد وحّدهم الجوع كما وحّدهم الأمل بمُستقبل أفضل، ووجدوا أنّ الطائفية مزّقت نسيجهم الوطني والاجتماعي وحالت دون وحدتهم وأتاحت للفئات الحاكمة أن تفتك بهم وبالوطن على حدّ سواء. وإذا لم يكن لهذه الأحداث من فائدة أو من إيجابية ما، فإنّ هذه الوحدة بين المكونات اللبنانيّة تشكل إنجازًا تاريخيًا لا يعلو عليه إنجازٌ آخر. فالوطن هو الوطنيّة وليس الطائفيّة.

على أن هناك إنجازات كثيرةً أخرى قد تحقّقت أيضًا، منها ما أشرنا إليه فيما تقدّم، وهو شعور السياسي اللبناني بأنه لم يعد يستطيع أن يحكم كما كان يحكم في السابق، وشعور المواطن بأن باستطاعته أن يضع حدًّا لفساد الحاكم وأن يرسله لا إلى بيته وحسب، بل إلى السجن. والأمل هو أن يكون لبنان بعد هذه الأحداث غير ما كان قبلها.                

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .