دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 4/11/2019 م , الساعة 1:23 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عنف ما بعد الثورة السودانية

عنف ما بعد الثورة السودانية

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

طوال تاريخه السياسي ومنذ استقلاله عن الاستعمار البريطاني، لم يُتح للسودان الحكم في ظلّ نخبة سياسية قادرة على امتصاص التناقضات الداخلية وإعادة توجيه طاقتها إلى فعلٍ سياسي حقيقي بعيداً عن التعصّب. حتى في هذه الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة، فقد كان من المُفترض أن تكون نموذجاً تجريبيّاً للديمقراطية الوليدة القادمة بقيام الانتخابات بعد ثلاث سنوات، إلّا أنّ قيام الحكومة الحالية والقوى التابعة لها برفض الآخر ومُحاربته وتصفيته وكنس آثاره يُعدُّ أمراً مُناقضاً لأهم أبجديات مفهوم الديمقراطية، ومن ثمّ يطفيء أي بارقة أملٍ بممارسة حكمٍ رشيد.

كثير من ظواهر التعصّب والعنف التي توفّرت خلال الثلاثين عاماً الماضية هي من جرّاء القهر السياسي والقمع الذي مارسته حكومة الإنقاذ ضد معارضيها، فالكبت السياسي والاعتقال والاغتيالات كلها أفضت إلى عنفٍ وتعصّبٍ مكتوم انفجر في ثورة ديسمبر 2018م. ولكن على عكس التوقعات فإنّ عملية إنهاء الظلم والاستبداد والقضاء على حكم ديكتاتوري جثم على صدر البلد لمدة 30 عاماً، لم تتم بطريقٍ آخر بل سلكت نفس طريق الإقصاء والعنف الذي تمارسه حاليّاً قوى الحرية والتغيير وجماعات المقاومة التي تُعتبر شريكاً مزدوجاً في الحكومة الحالية. لا يُنكر دور لجان المقاومة بالأحياء ودورها في نجاح ثورة ديسمبر، وإعلانها الاحتجاج على الاتفاق الذي تم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، لغموضه ولأنّه لا يُحقق أهداف الثورة. ثم دخلت المقاومة بأعضائها من الحزب الشيوعي السوداني في الحكومة، ولاختلافها معها في بعض التفاصيل منها ما تظنه تلكؤاً في القضاء على آثار النظام الماضي وشخوصه، أو ممن يؤخذون بشبهة الانتماء له، وللقيام بهذه المهمة نصّبت نفسها حاكماً، دون تفويضٍ شعبي بل لا يدري الشعب ما هو دور هذه اللجان على وجه التحديد.

تعدُّ لجان المقاومة جزءاً أصيلاً من الحزب الشيوعي السوداني وحسب ما جاء على موقعه الإلكتروني، فقد وصف هذه اللجان بأنّها «من الوسائل النضالية التي تفتقت عنها عبقرية الشعوب وقواها السياسية الثورية، وهذه الوسيلة الفعّالة في إسقاط النظم الشمولية والدكتاتورية». كما يضيف أيضاً: «وفي الحالة السودانية الراهنة، فإنّ لجان المقاومة، وتكوينها وتفعيلها، يجب أن يحتل حيّزاً أساسياً، في نقاش الجماهير وهمومها اليومية، والشروع في خطوات عملية في إنشاء هذه اللجان، وتنشيط الموجودة منها، وإمساكها بالقضايا الأساسية واليومية للجماهير، ومتابعتها، وخوض المعارك من أجلها، والضغط على السلطة لتنفيذ هذه المطالب».

تسلّحت هذه اللجان بسلطة موازية للسلطة الرسمية، فأخذت تطبّق القانون أو ما تراه حقّاً بيدها، وغير الإقالات التي تتم بشكلٍ رسمي، فهناك ما يتم بوضع اليد وإحلال المُوالين لها محل موظفي الخدمة المدنية حتى أولئك الذين لم يظهر له أي انتماء سياسي أو يُصنّفون في خانة المُستقلين. وبهذا فهي تشكّل حالة من العنف لا يُمكن التغاضي عنها أو تبريرها مهما كانت المُسوّغات. وهذه الحالة يمكن تصنيفها أيضاً كأحد أنواع العنف السياسي الذي تتعدّد أنواعه وتعاريفه، إلّا أنّ هذا العمل يستخدم قوى مادية ونوعاً من الترهيب المعنوي من أجل هدف سياسي.

تم تعريف العنف السياسي بأنّه كل عملٍ من أعمال الخروج عن النظام أو التدمير أو الإصابة تكون آثاره ومحله واختيار أهدافه وضحاياه وظروف تنفيذه ذات مدلولٍ سياسيٍّ، والمدلول السياسي يعني أنّ الفعل يرمي إلى تغيّر سلوك الآخرين في وضع من أوضاع المُساومة له تأثيره على النظام الاجتماعي. أو الاستخدام الفعلي للقوة والتهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو أهداف اجتماعية لها دلالات وأبعاد سياسية تتخذ شكل الأسلوب الفردي أو الجماعي السري أو العلني، المنظم أو غير المنظم.

ويشكّل عنف ما بعد الثورات بشكلٍ عام نقطة مهمّة أصبحت مثار جدل لدى الباحثين والمُحللين السياسيين، حيث يبرز العنف كأحد وسائل المُقاومة للإطاحة بالحكومات المُستبدة، في استمرار لحالة الدفع لتحقيق التغيير عن طريق الثورة. وليس من قبيل المُصادفة أنّ تتفق بعض الدول التي تنتمي إلى الشرق الأوسط على مُواصلة عنف الثورة من خلال تفريغ العنف المُتراكم الذي مارسته السلطات المدحورة ضدها. وقد تحوّل العنف من ظاهرة مُرتبطة بإسقاط النظام إلى حالة مُستمرة تستوجب النظر، إذ أنّ مخاض التغيير ومرحلة التحوّل الديمقراطي شهدا تهيئة وتحفيزاً جعل من العنف ظاهرة مرضية تتغلغل في البنى الاجتماعية والسياسية.

وإرث العنف السياسي الذي تتدثر به لجان المقاومة يعود للنظام الأبوي كمنهجٍ سياسيٍ كان سائداً في الأنظمة القديمة. هذا الإرث والتاريخ هو الذي كوّن معنىً خاصاً للديمقراطية تمثّل في وجود شكل قديم من نظام الحكم جاءت تكتلاته على شكل تجمّعات قبلية يقودها زعيم القبيلة وتتخذ من الشورى منهاجاً يتم التواصل فيه على أسس اجتماعية ووجدانية وثيقة. هذه الصورة تعكس صورة الديمقراطية في بلدان ليس بينها وبين مفهوم الديمقراطية صلة وشيجة، بل حتى لو تحقّقت فإنّها تكون نظاماً هجيناً مُستبدّاً.

في سبعينيات القرن الماضي انخرط الثوار الإشتراكيون الروس وبعض الجماعات السريّة ذات الصبغة الشيوعية في مجموعة نشاطات إرهابية كانت ترى أنّ هدفها الأخلاقي هو تحقيق التحرّر القومي لبعض شعوب العالم، فبذرت هذه البذرة خارج أوروبا وكانت من ضمن وجهاتها الشرق الأوسط وإفريقيا. وبما أنّ تيار اليسار العالمي كان يقف في وجه تعرّض الناس للقمع والاستغلال والتهميش مدفوعاً بالأفكار الإشتراكية فقد مثّلت هذه التحرّكات نوعاً من نضال حركات التحرّر الإفريقية ضد الاستعمار.

ولما لم يصل العالم إلى تعريف مُحدّد للعنف السياسي، فقد كانت العديد من الإحصائيات تأخذ في طريقها نشاطات المنظمات الثورية والجماعات التي تطالب بحق تقرير المصير في إفريقيا. وقد نشطت تلك الحركات النضالية في إفريقيا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وبعد أن تحرّرت معظم الدول الإفريقية واستبدلت أنظمتها الاستعمارية بأنظمة عسكرية في أغلبها، نشأت جماعات أخرى تطالب بالديمقراطية. ووسط هذه الجماعات تسرّبت تيارات إسلامية تنادي بالعدالة.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .