دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 15/4/2019 م , الساعة 7:48 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أسانج .. فضح أكذوبة الحريات

أسانج .. فضح أكذوبة الحريات

بقلم: منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

لا ينقص العالم المليء بالكثير من المشاهد الدرامية، هذا المشهد الأخير الذي حدث لجوليان أسانج مؤسّس موقع ويكيليكس، حينما اعتقلته الشرطة البريطانية بعد رفضه الخروج طواعية من سفارة الإكوادور بلندن التي يقيم فيها منذ عام 2012. صدم هذا المنظر العالم، إذ ظهر أسانج وهو محمولٌ من قدميه وذراعيه، من قِبل رجال الشرطة الذين قاموا بدفعه نحو سيارتهم وهو يصرخ «بريطانيا دولة بلا سيادة». وليس هناك أدقّ من التعبير الذي عمّ الشرق والغرب بأنّ يد الديمقراطية تخنق الحرية.

يمكن تقدير مظاهر الخطر من وجود جوليان أسانج في أنّه منذ نشره وثائق ويكيليكس والكم الهائل من المعلومات الحسّاسة وحتى القبض عليه، يُعتبر أحد الباحثين المُناضلين بقوة من أجل الوصول إلى الحقيقة، فضلاً عن ذكائه وحماسه وقدرته الاستثنائية على البرمجة وفك شفرات برامج الكمبيوتر.

بعد أربع سنوات من تأسيسه موقع ويكيليكس في 2006، تصدّر أسانج عناوين الصحف في أنحاء العالم في أبريل عام 2010 حينما نشر لقطات تظهر جنوداً أمريكيين يقتلون بالرصاص 18 مدنياً من مروحية في العراق ويعود تاريخها إلى أبريل عام 2007. واستمر الموقع في نشر كميات جديدة من الوثائق من بينها 5 ملايين رسالة بريد إلكترونى سريّة من شركة الاستخبارات «ستراتفور»، ومقرها الولايات المتحدة.

هناك عدة دول بقيت على مُطالبتها بأسانج، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لمُحاكمته بتهمة نشر هذه الوثائق السريّة التي تتعلق خصوصاً بممارسات الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، إضافة إلى ممارسات أخرى من بينها تجسّس الاستخبارات الأمريكية على زعماء دول حليفة. أما بريطانيا فتريد مُحاكمته بتهمة انتهاك شروط إطلاق سراحه بكفالة عام 2012. والسويد تريد إعادة فتح تحقيق معه بتهمة التحرّش والاغتصاب. وبالرغم من أنّ الادعاء السويدي قد ألقى التحقيق في اتهامات الاعتداء الجنسي بحق أسانج في 13 أغسطس عام 2015 بعد انقضاء الفترة المُحدّدة للتحقيق وتوجيه الاتهام، لكن أسانج لا يزال يواجه اتهاماً آخر أكثر خطورة يتعلق بالاغتصاب. وبالطبع لا تخفى الدوافع السياسية التي تقف وراء هذه الاتهامات، كجزء من حملة تشويه ضد أسانج وموقعه الذي نجح في زلزلة تمثال الديمقراطيات الغربية وتعريتها. بل إنّها تعبّر عما اشتكى منه أسانج نفسه حينما تقدّم بشكوى إلى لجنة ليفسون البريطانية التي تنظر في المعايير الصحفية جرّاء مواجهته تغطية إعلامية غير دقيقة وسلبية على نطاق واسع.

لم يكن غريباً منح الإكوادور، أسانج حق اللجوء السياسي بعد لجوئه إلى سفارة هذه الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية في 16 أغسطس عام 2012، ولكن الغريب حقّاً هو سحب اللجوء منه في 11 أبريل الجاري. فقد كان أسانج يتمتع بحماية الحكومة اليسارية في الإكوادور بقيادة رفاييل كوريا، المُعارض لتدخلات الولايات المتحدة ورغبتها في تسلّم أسانج. ولكن بعد خسارته الانتخابات، قام خليفته لينين مورينو بتغيير هذا المسار لصالح الولايات المتحدة، ما مكّنها من تصعيد جهودها لإصدار حكم ضد أسانج.

قضية أسانج وتسريبات ويكيليكس والإعلام وردود الأفعال حولها ما كان لها أن تكون ذات بال لولا الاهتزازات العنيفة التي مرّت بها الدولة الحديثة، لتأتي ما بعدها والتي ساهمت في أن تعيد الوعي للشعوب المُخدّرة بدعوى الديمقراطيات، كما الشعوب المُغيّبة تماماً. الشيء الأكثر أهمية هو أنّه في ظروف غير الظروف التي ظهرت فيها هذه التسريبات، ما كان سيتسنى رؤية انعدام الثقة بين الشعوب وحكوماتها.

بعد هذه الحادثة يمكننا أن نرى بوضوح كيف يُعيد من افتتنوا بالديمقراطية والحرية الغربية، النظر في هذه المبادئ، كيف لا والغرب هو المُتضرّر الأول من تسريبات ويكيليكس التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. وإن لم تستثنِ هذه الوثائق أحداً، فإنّ الضرر البالغ على الغرب أكبر من دول العالم الثالث المعهود عنها التجاوزات والاختراقات في مجالات حقوق الإنسان والفساد بكافة ألوانه. تلك التسريبات ضربت في عمق إيمان الشعوب التي كانت على قدر من اليقين في النموذج الغربي، ثم جاءت حادثة اعتقال أسانج وقضت على ما تبقّى من يقينها، بل عكست في نفس الوقت مدى الخذلان في النماذج المثالية التي تتدارسها بلداننا العربية ودول العالم الثالث للخروج من جحيم الديكتاتوريات وظلامها إلى نعيم الديمقراطية. وممكن بالقياس على هذه الحادثة معرفة أهمية حريّة الصحافة والرأي عندما يكون الخلاف مع دول تُعتبر راعية للديمقراطية مثل أمريكا. لا بد من تسليط الضوء على القدر الذي يتم به الاستهزاء بسيادة القانون والهجوم المُباشر على حرية التعبير ومدى مقدرة الصحفيين على نشر حقائق قد لا تكون مقبولة لدى البعض ومدى المقدرة على حمايتهم. ولكن لا أحد ولا أيٍّ من هذه الأجسام والهيئات الضخمة تقبل بمثل هذا التدخل. ويمكن بالتالي التضحية بقيم الديمقراطية الحقيقية التي تؤيد مثل هذا الكشف وتقمع كل المحاولات التي تشجّع الاطلاع على أحداث الانتهاكات والتجاوزات وهي تلك التي يتم التحفّظ عليها وراء ستار سميك من الصمت المطبق.

من قبل تم تمليك مفهوم تضليلي للرأي العام العالمي يُصوّر أمريكا بشكل يثير الرعب من قوتها وفي نفس الوقت بأنّها راعية مصالح العالم ومُحاربة للشر. وهذا يُعدّ أحد أهم أبواب التضليل التي ينْفذ من حبكتها الخلل في اتخاذ المواقف سواءً أكانت مُتعصّبة أو مرنة. أهمّ ما في تلك التسريبات أنّها كشفت عن مواقف اتخذها الغرب ضد الحكومات واستضعافه للدول. كان الناس فيما مضى يعتبرونها عزة غريرة بالنفس أو سوء في ممارسة السياسة الدولية، ولكن الصدمة الكبرى والتي جعلت من الشك يقيناً هو أنّه إذا وقعنا في حبّ العدو فإنّنا نقسم بحياته.

ولو رجعنا قليلاً للوراء لرأينا أن تعبير سيادة الدولة كاد أن يكون هو التعبير الأكثر تداولاً في الأدبيات السياسية، وساد التعبير في الخطاب الرسمي حتى ظننا أن «هيجل» يسعى بيننا. وحسب بيان هذا الفيلسوف الألماني فإنّ الدولة هي مجال الغايات الكلية والمصلحة المشتركة، ولذلك هي فكرة عقلية فوق الجميع. وحسب مراجعته في ذات الإطار بأنّها تكتسب علويتها من القانون، لأنّ القانون وتضحية الأفراد بأنفسهم من أجل الفكرة الكلية هو اجتياح للأهواء.

وبدفاع الإدارة الأمريكية الاحترازي عن سيادة الدولة فإنّها تكون قد آمنت جزئياً بما يمكن أن يحدث من تدخل في شؤونها ونشر أسرارها تحت مُختلف اللافتات ابتداءً من حقوق الإنسان والنشر وغيرها.

وللحقيقة فإنّ موقع ويكيليكس لم يكن مقبولاً منذ بدايات نشاطه، إذ استهدف منظمات ذات سلطة كبيرة تقوم بعملها بعيدة عن مِجهر الرأي العام، مثل الجيش الأمريكي والمُخابرات الأمريكية والدبلوماسية والسياسة الأمريكية. ولذلك فإنّ القبض على أسانج ومُحاكمته أياً تكن، حقيقية أم صورية، سوف تفتح الباب أمام جدل سياسي وقانوني وحقوقي إنساني حول حريّة النشر والتعامل مع المعلومات السريّة والانتهاكات التي تخفيها الحكومات وتحميها بقوتها الضاربة بحجة الأمن القومي وفكرة الصالح العام.

لا ينبغي النظر إلى أسانج كشخص، وإنّما كفكرة تعطي كامل الاعتبار للشفافية التي ينبغي أن تتجذّر وتتعمّق بعيدة عن الأهواء والميول السياسية وضغوط الدولة العميقة. وهذا يعنى أن نظام الدولة الوطنية الحديثة قد ولّى وجاء من بعده نظام يخضع لواقع التحوّلات في السياسة الدولية والنظام العالمي الجديد.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .